#adsense

لماذا الثقة إذا كان «حزب الله قد وضع» «الغطاء» في جيبه؟

حجم الخط

يبدو ان غنى اللغة العربية لم يتمكن من حل معضلة صياغة البيان الوزاري لحكومة تمام سلام العتيدة، ولا حتى فذلكات رئيس المجلس نبيه بري. واذا لم تتمكن اللجنة من تحقيق هذا الانجاز خلال ثمانية اجتماعات متتالية، فانها على الارجح لن تتمكن من ذلك في الاجتماعات اللاحقة لأن الخلاف بطبيعة الحال ليس لغويا. انه سياسي بامتياز ويتعلق بمسألة جوهرية تطال مصير البلد وقراره، وينقسم اللبنانيون حولها انقساما عاموديا حادا، بغض النظر عن عمر الحكومة والمرحلة السياسية والتوقيت. ف»حزب الله» يعتبر تضمين البيان صراحة عبارة «المقاومة» موقفاً مبدئياً يمس وجوده هو بالذات، فيما يرى فريق 14 آذار انه قدم تنازلات كثيرة في السنوات الماضية ولم يعد من الجائز اطلاق العنان لهيمنة الدويلة على حساب الدولة.

وهذا الكلام يعني اذا ان الحكومة لن تتمكن من المثول ببيانها الوزاري امام مجلس النواب لنيل الثقة على أساسه، وستتحول عندها الى حكومة تصريف أعمال غير مخولة اتخاذ قرارات هامة او ممارسة صلاحياتها الا بالمعنى الضيق لتصريف الاعمال، بحسب البند الثاني، من المادة 64 من الدستور. وهنا سؤال يطرح نفسه لماذا تم تشكيل هذه الحكومة، وهل يعقل انه بعد طول انتظار دام أكثر من عشرة أشهر وانزلاق البلد نحو الانهيار الاقتصادي والفلتان الامني ان نعود الى «حكومة مصلحة وطنية» لتصريف الاعمال؟ وما هي مصلحة الفريق الذي سعى جاهدا في الاشهر الاخيرة وتراجع عن شروطه كي يسهل تأليف الحكومة ان يعود مجددا الى حكومة تصريف الأعمال؟

من الواضح ان هذا الفريق هو تحديدا «حزب الله» الذي واجه وضعا صعبا وحرجا في آن، مع بداية العام الماضي عندما ورط نفسه (او ورطوه؟) في القتال دفاعا عن النظام السوري، ما ادى الى اشتداد الضغط على صنيعته حكومة نجيب ميقاتي الذي اضطر عندها الى الاستقالة، في 23 آذار الماضي، تاركا «حزب الله» مكشوفا في الداخل، وعرضة لضغوط الساحة السورية والساحة الدولية. عندها قرر ان يمارس انكفاء تكتيكيا عبر القبول بتمام سلام، المرشح من قبل فريق 14 آذار، لرئاسة الحكومة، ومعه سلك الحلفاء الطريق نفسه اي «التيار الوطني الحر» الى حركة «أمل» وملحقاتهم.

بعد التكليف، انتقل «حزب الله» الى الخطوة التالية وراح يمارس تعطيلا ممنهجا من خلال المماطلة ووضع الشروط التصعيدية، الواحدة تلو الأخرى كي يعطل مفعول زخم التكليف، بدءا برفضه لصيغة «الحكومة الحيادية» على أساس ثلاث ثمانات التي طرحها سلام على اعتبار انها حكومة اشراف على الانتخابات، فتم تطيير الانتخابات بتوافق الجميع (باستثناء العونيين). ثم دفع «حزب الله» بصيغة الحكومة السياسية على أساس «الثلث المعطل» مع اشتداد الضغط الدولي والاميركي على النظام السوري وقرب الضربة العسكرية التي كانت يومها وشيكة، وتم الاعلان عنها من قبل الرئيس الاميركي نفسه. واستمر سلام «مشركلا» يرواح في دائرة لعبة الحزب، الذي راح يصعد بعد الغاء الضربة العسكرية وتراجع الضغط الدولي، فاطلق امينه العام حسن نصرالله تهديده الشهير: «او صيغة 9+9+6 او…».

وفي مرحلة لاحقة، ادى تعديل موازين القوى بين روسيا وايران من جهة والولايات المتحدة واوروبا من جهة أخرى الى تمكين طهران من «التقاط» انفاسها كي تخفف من ثقل العقوبات الاقتصادية الخانقة عليها، فوقعت اتفاقا حول ملفها النووي مع دول المجموعة «5+1» (فرنسا، انكلترا، الولايات المتحدة، روسيا والصين + المانيا). وقد تضمن هذا الاتفاق شروطا معلنة تتضمن الغاء مفاعل للتخصيب ومراقبة وضبط عمليات تخصيب أخرى، وغير معلنة منها ترييح الوضع في لبنان وفتح الباب امام تشكيل الحكومة.

فكان التراجع المفاجىء لـ»حزب الله» عن شروطه التعجيزية بعد ان غرق في اوحال المواجهة السورية وتمادى في قتل السوريين، وأيضا في تحمل وزر ضحايا المقاتلين في صفوفه. ناهيك عن استجلاب الارهاب الى داره وضد المدنيين اللبنانيين الابرياء عبر عمليات تفجيرية ومن ثم انتحارية.

لذلك، اصبحت الحكومة بالنسبة لـ «حزب الله» حاجة داخلية ماسة، والأمس منها الحصول على غطاء سني لعله يخفف من تحول الصراع في سوريا في وجه من اوجهه الى مذهبي سني-شيعي. عندها سقطت كل الشروط وباتت الحكومة المتساوية التمثيل (8+8+8) مقبولة وبدون ثلث معطل، وحتى بدون نقاش حول الحقائب (تصعيد عون كان لتأكيد توجه «حزب الله» وليس العكس، وبالتوازي مع استبعاد طهران عن مؤتمر جنيف حول سوريا).

الا ان «خرطوشة» احتياطية للتعطيل عند الضرورة بقيت في يده هي البيان الوزاري الذي لم يتمكن فريق 14 آذار من فرض اتفاق او تفاهم حول مضمونه قبل او بالتوازي مع تشكيل الحكومة، وهذا أمر دستوري سليم (المادة 64- البند الثاني) لم يكن بالامكان فرضه او تجاوزه. وهكذا، بعد تشكيل «حكومة سياسية جامعة» كما اراد «حزب الله» والحصول على «غطاء سني» عبر الجلوس في حكومة واحدة مع سعد الحريري، وضع «حزب الله» هذا الانجاز في جيبه وانطلق يخوض معركة البيان الوزاري متسلحا ببند «المقاومة». وهي أمر مبدئي وحيوي بالنسبة للحزب الذي بات يشعر ان المبرر الأساسي لوجوده قد انتفى (أين هي المقاومة وضد من؟)، وان غرقه في الاوحال السورية قد حوله الى مجرد اداة ايرانية-سورية. فلا يمكنه التخلي بالتالي عن بند «المقاومة» الذي هو بمثابة اعادة اعتبار له. ومن هنا محاولته «المفاخرة» قبل ايام بان الغارة الاسرائيلية قد استهدفته.

الا ان المعركة حول البيان الوزاري قد فرضتها ايضا التطورات الاقليمية المتسارعة اقليميا (الضغوط والتهديدات المتجددة على النظام السوري)، والأهم ودوليا انطلاقا من اوكرانيا حيث اصيبت روسيا بضربة موجعة، والتي تنذر بتصعيد خطير على المستوى الدولي بين الغرب وروسيا. وهي مواجهة لا بد انها تحرج ايران ومحورها الاقليمي، ما يدفع هذا المحور الى التخفيف من اندفاعة التهدئة على المستوى الاقليمي، ومن الدعم الاوروبي-العربي لتسليح الجيش اللبناني (اي الدولة والشرعية في مواجهة سلاح «حزب الله») وفصل او تحييد لبنان قدر الامكان عن حماوة الصراع.

فلماذا اذا اضفاء شرعية كاملة على حكومة لا قدرة على تعطيلها او فرطها، اقله بطرق شرعية ودستورية؟ وفي الوقت عينه يبقى الفريق الآخر في الحكومة اي 14 آذار معلقا وغير قادر على اتخاذ اي خطوة لا يوافق عمليا «حزب الله» عليها!

 

المصدر:
اللواء

خبر عاجل