إستمرار الخلاف على البيان الوزاري يُعيد الأزمة الحكومية إلى الواجهة ويُمهِّد لتعطيل الإنتخابات الرئاسية
أزمة الفراغ الرئاسي تنعكس سلباً على جميع المؤسسات وتهدِّد كيان الدولة
عرقلة صدور البيان الوزاري يعني استحالة تمكين الحكومة من المثول أمام المجلس النيابي لنيل الثقة أو المباشرة بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها
يرى مصدر سياسي بارز أن استمرار الخلاف الحاصل حول صياغة البيان الوزاري للحكومة الجديدة، إنما يعكس بوضوح حدة الانقسام السياسي بين الأطراف الحأساسيين وحجم الهوّة التي تفصل في ما بينهم، ويؤشر إلى انعدام الثقة في علاقاتهم مع بعضهم البعض، برغم صدور التشكيلة الحكومية وتجاوز الصعاب والعقبات العديدة التي اعترضتها منذ ما يقارب العشرة أشهر الماضية.
وفي اعتقاد المصدر أن الخلاف المحصور في ما يتعلق بكيفية توصيف مسألة المقاومة في البيان الوزاري بعدما سقطت كل الصيغ التي اعتمدت في البيانات الوزارية السابقة بفعل إساءة تفسيرها أو استغلالها في غير موضعها ووجهتها الوطنية الحقيقية والسليمة، إنما يعبّر بوضوح عن رؤية كل طرف في مقاربة مسألة سلاح «حزب الله» بكل تشعباتها وتداعياتها في الداخل والخارج على حدٍّ سواء، بعدما تفاعل هذا الخلاف وبات السلاح يهدّد أمن لبنان كله وتعايش اللبنانيين مع بعضهم البعض في حال استمر التعايش معه على النحو السائد منذ سنوات ومن دون الدخول في حوار جدّي ومعمّق لاستنباط حل مقبول يُنهي ظاهرة تفلّت هذا السلاح من أي رقابة أو امرة شرعية للدولة اللبنانية ووضع حدٍّ نهائي لكل محاولات استعماله لتحقيق مكاسب سياسية ملموسة تحت طائلة الترهيب أو توفير ملاذات آمنة لمتهمين بجرائم الاغتيال أو استعماله في الخارج تحت أي ذريعة أو مبرّر كان ولغايات لا تتصل بمصلحة لبنان أو اللبنانيين بأي شكل من الأشكال.
ويعتبر المصدر البارز ان فشل الاطراف المعنيين في التوصل الى صياغة مقبولة للبيان الوزاري في غضون الايام القليلة المقبلة لاطلاق عمل الحكومة الجديدة وتمكينها من القيام بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها، إن كان على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي او التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة، فهذا يعني زوال كل عوامل التقارب الهّش التي جمعت معظم الاطراف السياسيين في الحكومة السلامية الحالية، وعودة اجواء الاحتقان والتنافر في ما بينهم، وبالتالي الدخول في ازمة حكومية جديدة، ليست في صالح اي طرف من الاطراف السياسيين بفعل الظروف الصعبة والمعقدة والخطيرة التي تمر بها المنطقة العربية عموماً وخصوصاً ما تمر به سوريا حالياً من حرب ضروس تأكل الاخضر واليابس وتنعكس ضرراً على لبنان بتداعياتها السلبية الخطيرة، جراء مشاركة «حزب الله» بالقتال الى جانب نظام الاسد وتدفق اعداد كبيرة من اللاجئين السوريين الى اراضيه، وما يرتبه هذا الواقع المتردي من اعباء جسيمة تصيب كل اللبنانيين من دون استثناء وتنذر بتفاعليات مستقبلية خطيرة اذا لم يتم تداركها وتطويقها.
ومن وجهة نظر المصدر السياسي فإن عرقلة صدور البيان الوزاري من قبل بعض الاطراف عمداً وتحديداً «حزب الله» لاعتبارات تتعلق بالتطورات الاقليمية والدولية المستجدة وخصوصاً مؤثراتها على الحرب السورية، واحتمال الاستفادة منها لتحسين مواقع النظام السوري وحلفائه في الصراع الدائر، فهذا يعني استحالة في انجاز البيان الوزاري المذكور وتمكين الحكومة من المثول امام المجلس النيابي لنيل الثقة والمباشرة بالقيام بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها، والعودة بالازمة الحكومية الى ما كانت عليه من قبل والدخول مجدداً في لعبة التجاذب حول التركيبة الحكومية وحصص كل طرف فيها من الوزراء والحقائب الوزارية كما حدث في الاسابيع القليلة الماضية. إلا ان الاخطر من كل ذلك، ان الدفع باتجاه الدخول في ازمة حكومية جديدة في هذا الوقت بالذات، لن تنحصر في هذه المسألة وحدودها كما كان الوضع عليه في الاشهر العشرة السابقة، بل يؤسّس حكماً لأزمة حكم رئاسية باعتبار أن مهمة الحكومة السلامية الحالية تنحصر إلى حدّ ما في التحضير لاجراء الانتخابات الرئاسية التي أصبحت على الأبواب ولم يعد يفصل عنها سوى أسابيع قليلة معدودة.
وفي اعتقاد المصدر السياسي البارز فانه ليس من مصلحة لبنان على الإطلاق الدخول في أزمة حكم جرّاء استمرار الخلافات الحادّة بين الأطراف السياسيين كما هو عليه الوضع الحاضر، لأن الدخول في مثل هذه الأزمة ستترتب عليه مخاطر عديدة تنعكس سلباً على استمرارية الدولة، كياناً ومؤسسات باعتبار أن موقع الرئاسة الأولى يؤثر حكماً على سائر مؤسسات الدولة وتركيبتها وديمومتها وفاعليتها.
ولذلك، لا بدّ من الإسراع في انجاز البيان الوزاري والتوصل إلى صيغة مقبولة من الجميع، تأخذ بعين الاعتبار المتغيّرات التي حصلت بالسنوات الأخيرة، وتؤكد على مرجعية الدولة في كل ما يتعلق بموضوع المقاومة، لأنه ليس من مصلحة أي طرف الدخول في أزمة حكم في هذا الظرف الصعب والخطير الذي تمر به المنطقة ولبنان على حدّ سواء، ولأن المجازفة بالدخول في مثل هذه الأزمة يعني حكماً الدخول في المجهول الذي ينعكس ضرراً على جميع الأطراف ومن دون استثناء، ولا بدّ من تفاديه بكل الإمكانات المتاحة، خصوصاً وأن الدولة بمؤسساتها العسكرية والأمنية أظهرت قدرة على ضبط الأمن والحد من تكرار الاعتداءات والتفجيرات الارهابية في مناطق هيمنة ونفوذ «حزب الله» بالضاحية الجنوبية وشرق بعلبك وغيرها، حيث فشل الحزب فشلاً ذريعاً في تحقيق هذا الهدف من قبل برغم كل الامكانيات التي يتمتع بها.