«إذا أردتم أن تبقوا سويسريين تعلّموا بناء سياج حول حديقتكم»، نصيحة قدمّها القديس نقولا دو فلو» Saint Nicolas de Flue « إلى سويسرا في القرن الـ15، عندما عادت ظافرة من معركة وبغنيمة كبيرة، حصل عليها خلاف شديد، إذ طُلب إليه التوسّط في حلّه. نصيحة أضحت إرثاً جنّب سويسرا حرب «الثلاثين عاماً» في القرن 17 وحرب 1870 بين فرنسا وألمانيا، والحربين العالميّتين، وحصّن مجتمعها الفسيفسائي من الإنقسام، وبات بموجبها الحياد ماركة سويسرية مسجّلة.
حياد يبدو فيه لبنان اليوم، الذي وصفه الشاعر الفرنسي لامارتين وقتذاك بـ»سويسرا الشرق»، في أشدّ الحاجة إليه في ظلّ الحريق السوري الذي أصاب لهبه هذا البلد الصغير، ويكاد يودي به في ظلّ انقسام سياسي حاد بين فريقي «14 و8 آذار» ومقاربتهما المختلفة لما يجري على حدوده، وانخراطهما في لعبة المحاور والأمم. صفة، من شأنها أن تسمح بأن ينعم «بلد الأرز» بـ»السلام والإستقلال والإستقرار، ولكن في الوقت الراهن، لا يمكن تطبيقها بسهولة»، وفق ما تؤكّد السفيرة السويسرية في لبنان روث فلينت في حديثها لجريدة الجمهورية.
في الوقت عينه، إلتزام سويسرا التي تعدّ «خزان مياه أوروبا» سياسة الحياد، لم يثنها عن السعي إلى تحويل المياه أداة لصنع السلام، من خلال تمويلها مبادرة «السلام الأزرق في الشرق الأوسط»، التي أطلقتها منظمة «Strategic Foresight Group» الهندية عام 2011.
وفي ما يأتي نص الحوار:
* يتمتع لبنان على غرار سويسرا بمجتمع معقّد ومتعدّد الطوائف، إلى أي مدى تعتقدون أنّ اللبنانيين يمكن أن يتعلّموا من النموذج السويسري لبناء دولة في مجتمع تعدّدي؟
– الحلول يجب أن تخرج من القاعدة الشعبية، إذ لا يمكن إسقاط نموذج على أي بلد آخر. ولكن الإستعلام عن الدروس المستقاة وكيفية سلوك اللاعبين وتفاعلهم يكون مفيداً، فضلاً عن دراسة تاريخ البلدان التعدّدية الأخرى. وفي هذا السياق، نشرت وزارة الخارجية السويسرية كتيّباً تحت عنوان «تقاسم السلطة – التجربة السويسرية» ضمن سلسلة Politorbis في شباط 2008 ، للذين يرغبون بالإستفادة من هذه التجربة.
وليعمل هذا النموذج، هناك ميزات ينبغي توافرها: سيادة القانون، والتسامح، واحترام وجهة نظر الآخر، والرغبة في التوصل إلى حلول وسط، والإلتزام بعدم اللجوء إلى العنف، والقبول بأنّ الفائز حصل على 50.3 في المئة من الأصوات، والخاسر 49.7 في المئة. هذه الميزات يجب أن تمارس بإنتظام ودائماً. فالتعدّدية هي مثل الزواج: على المرء أن يعمل من أجل استمراره كلّ يوم.
* كيف يمكن أن يستلهم لبنان من تجربة سويسرا في التزام الحياد؟ وهل تظنون أنّ لبنان يستطيع تطبيق ذلك في سياسته الخارجية كوسيلة لتحقيق السلام والإستقلال والإستقرار؟
– لقد نظّمت سفارتا سويسرا والنمسا في بيروت في كانون الأول 2013 مؤتمراً حول هذا الموضوع، بمشاركة الوزير الراحل محمد شطح. النتيجة التي خلص إليها النقاش الذي دعا إليه المركز اللبناني للدراسات السياسية (LCPS)، والذي جمع ممثلين عن معظم الأحزاب السياسية اللبنانية، أن لا استنتاج يمكن التوصّل إليه. لبنان يمكن أن ينعم بالسلام والإستقلال والإستقرار إذا اعتمد سياسة الحياد، ولكن في الوقت الحالي هذا لا يمكن أن يتحقق بسهولة. ما يسعدني أنّ كلمة الحياد أُخرجت من الخزانة، وأضحت موضع نقاش. هذا أمر صحي، إذ ينبغي وضع جميع الخيارات في لبنان على الطاولة علناً.
* لطالما كانت الحكومة السويسرية على تنسيق مستمر مع «حزب الله» في السابق، أما اليوم كيف تصفون العلاقة مع «الحزب» بعد انخراطه في القتال في سوريا؟
– سويسرا تتحدث مع الجميع بمن فيهم «حزب الله»، وهي تبقى حاضرة كما جرت العادة لمساندة أي جهد من شأنه تحقيق السلام والإستقرار، وهذا ينطبق على «حزب الله».
* هل تتوقعون أن يؤدي تشكيل حكومة لبنانية جديدة إلى وقف التفجيرات؟ وهل تخشون عدم إجراء الإنتخابات الرئاسية في موعدها؟
– نأمل أن يتمكّن لبنان من تعزيز إستقراره، وإذ أُرحّب بتشكيل حكومة جديدة، أعتبر ذلك بمثابة بارقة أمل عظيمة. لدي ملء الثقة بأنّ الإنتخابات الرئاسية ستُجرى في موعدها. في هذه المرحلة الحساسة، لا أحد يريد أن يدفع بلبنان إلى الفراغ. هذه الإنتخابات والخطوات التي تليها سوف تساهم بشكل كبير في استقرار لبنان.
* تُقدّم الحكومة السويسرية الدعم إلى لبنان في مجالات عدة، ومن بينها في قطاع المياه على وجه التحديد، هل يمكنكم أن تقدموا لنا لمحة موجزة عن ذلك، وما هي أسباب إعطاء سويسرا الأولوية للقضايا المائية؟
– يُروادني القلق من النقص في الأمطار والثلوج هذا العام، وتداعيات ذلك على على الينابيع والزراعة والإستخدام المنزلي والصناعي، ومسألة توافر المياه حتى الشتاء المقبل. آمل أن يعي الشعب اللبناني من خلال هذا الخطر ندرة وقيمة المياه التي تعتبر حقاً «ذهباً أزرق».
المياه هي في صلب التنمية المستدامة وأبعادها الثلاثة – الإجتماعية والإقتصادية والبيئية، وهي مرتبطة بشكل مباشر بالأمن والسلام. الحق في المياه يأتي في مركز المعركة لمكافحة الفقر. كلّ دول الشرق الأوسط تعاني شحاً في المياه. وسويسرا تعمل مع القادة السياسيين في المنطقة من أجل تحقيق «السلام الأزرق». وبما أنّ أكثر من 60 في المئة من موارد المياه في المنطقة تتدفق عبر الحدود الدولية، تبرز الحاجة إلى تعاون إقليمي، وتسهيل إنشاء مجلس تعاون مائي في الشرق الأوسط.
الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون «SDC» بدورها تعمل بشكل خاص على إدارة الموارد المائية في حوض نهر العاصي. العاصي من الأنهر الرئيسة في منطقة الشرق الأوسط، وتتقاسمه ثلاث دول (لبنان، سوريا، تركيا)، ويعتبر حوض العاصي منطقة ذات أهمية استراتيجية من الناحية السياسية والإجتماعية والإقتصادية.
وتعتبر أزمة المياه التي تعود إلى فترة طويلة في سوريا من قبل البعض، أحد الأسباب الجذرية للصراع الحالي. وبالتالي، فإنّ إدارة المياه ستشكّل عنصراً أساسياً في عملية المصالحة وإعادة الإعمار.
إلى جانب ذلك، تدعم الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون «الصيانة ورفع مستوى إمدادات شبكات المياه» في سبعة مخيمات للّاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث الآلاف لا يحصلون على مياه شرب كافية، فضلاً عن تسرّب مياه الصرف الصحي إليها.
في الوقت عينه، تدعم سويسرا على غرار العديد من الجهات المانحة الشعب اللبناني للتعامل مع أزمة تدفّق اللّاجئين السوريين، وتساعد لبنان في الحد من مخاطر الكوارث، وتعزيز آليات معالجة الأزمات من صنع الإنسان والطبيعة والتكنولوجيا (بما في ذلك ندرة المياه).
* هل تتوقعون جولة جديدة في آذار الجاري من مفاوضات جنيف2، والى أي مدى ترون أنّ هذه المفاوضات من شأنها المساعدة في وقف حمّام الدم في سوريا؟
– هذا السؤال يجب أن يُوجّه الى المبعوث الأممي الخاص بسوريا الأخضر الإبراهيمي، الذي ربما لا يملك جواباً في شأن الجولة المقبلة. أظنّ أنّ الله وحده يعرف ذلك. ولكن المؤكد أنّ الحوار والإنفتاح هما مفتاحا النجاح، واذا لم يكن كذلك، على الأقل في إمكانهما تخفيف الضرر أوعدم التسبب بأي أذى. وعندما يقوم أحدهم بوقف الحوار، أيّ ورقة رابحة سيبقى في أيدينا، الى جانب استخدام العنف، الذي لا يأمل أحد بكامل قواه العقلية أن يستمر؟