قطع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الطريق أمام أي مؤتمر تأسيسي، مواجها من يظنون أن الفراغ الرئاسي سيحلّ بعد مغادرته القصر الجمهوري من باب اللامركزية الإدارية. وإن بشّر من خلال هذه السياسة بتخفيف العبء عن السلطة المركزية وتوزيع المهام على المؤسسات المحلية، فهو في خطوة أولى يضع المواطن أمام مسؤولياته، ويسعى، وإن بعد تركه القصر الجمهوري، الى كفّ يد «الطموحين» بإقامة مؤتمر تأسيسي بـ «مقاومتهم» في الوقت المناسب. وأثبت سليمان أنه القائد الأعلى للقوات المسلّحة بحسب الدستور من خلال إصراره على أن يبدي تسليح الجيش ودفاعه عن اللبنانيين في مهمة هي الأولى من نوعها منذ أن تمّ تشريع «المقاومة» في البيانات الوزارية، وكأن الرئيس جاء باللامركزية الادارية وتسليح الجيش بدلا من البيان الوزاري.
أن يُحدث ميشال سليمان تحوّلا في المسار السياسي، فهذا يعني أنه لن يسلّم الجمهورية اللبنانية كما استلمها، جامعا بين اللامركزية و»إعلان بعبدا» في وصية سياسية تحصّن قصر بعبدا وتحميه خلال فترة حكمه وبعد مغادرته القصر. بهذا يكون سليمان قد رسم خريطة طريق قوامها تفويض مهام الدولة الى اللبنانيين.
في حفل إطلاق «الجائزة اللبنانية بامتياز» في قصر بعبدا، مهّد سليمان لشكل حكمه في مدة الشهرين الأخيرين من ولايته، واختصر ست سنوات من العمل بكلمة وجهّها مباشرة الى ضيوفه في القصر ومنها ما يُفترض أن يتلقّفه المعنيون من السياسيين. «لم نحترم إعلان بعبدا»، قال رئيس الجمهورية والمقصود بنون الجمع هنا ليس كل المسؤولين السياسيين طبعا، إنما من نقضوا الإعلان ورفضوا احترامه. يتحدث الرئيس الى ضيوفه علّ «الجارة» تسمع وتلين.
يبدو ميشال سليمان متصالحا مع نفسه ومع شعبه، يحترم حقّه في العيش الآمن سواء في بيروت أم في المناطق الحدودية، ما يجعله حامي اللبنانيين عندما يتلمّس تقصيرا لدى المسؤولين. ويُظهر سليمان كِبر النفس وصلابة في الثقة، لا يجد عيبا أو ضعفا في أن يعتذر المسؤول من شعبه إذا حدث وأخطأ قائلا «نحن كمسؤولين لبنانيين علينا الاعتذار من الشعب اللبناني».
ولا يمكن أبدا تشبيه دعوة سليمان المسؤولين، المخطئين طبعا، الى الإعتذار بأي دعوة أخرى شبيهة بها. فالإعتذار في حديث سليمان ينم عن نُبل وأخلاق، وهي علامة لا يتّصف بها إلا من كان على ثقة بأنه لم يرتكب بحقّ شعبه أي خطأ أو خطيئة، لأن الخطيئة الكبرى تكمن في استغلال الشعب وقتله والتحريض عليه والسكوت عن أذيّته وعدم تصحيح الأخطاء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يفوت الأوان.
في كل الأحوال، فإن من يعتمد على إفشال مساعي الرئيس لإنجاح سياسته الخاصة المستقبلية ومنها إفشال مؤتمر باريس وأساس نجاحه «إعلان بعبدا» يكون واهما، لأن لا تراجع عن صرف الهبة السعودية للجيش اللبناني، وباختصار يمكن القول أن هذه المسألة خرجت عن طاعة الحزب المسلّح الذي يرفض بأي ثمن أن يتم تسليح الجيش اللبناني وأن يحدث تسليحه وقعا على المستوى الوطني، ويرى «حزب الله» في ذلك منافسة له ومحاولة من قبل سليمان لإزاحته جانبا والتخلّي عن مهامه شيئا فشيئا حتى الإستغناء عنه.
واقعيا، هل يمكن الإستغناء عن «حزب الله»؟ لو كان الحزب «مقاومة» كما يدّعي، ولو كانت تلك المقاومة «حقًّا للبنانيين» كما يقول أعضاء كتلة «الوفاء للمقاومة»، لكانت جنّدت شبابها للدفاع عنهم وصدّت عنهم الموت الذي تحمله إليهم صواريخ النظام السوري وتقتل أطفالهم وتصيب شيوخهم. لهذا، وهو مثل من أمثلة كثيرة، يمكن الإستغناء عن «المقاومة» ولا يمكن أبدا التخلّي عن رئيس الجمهورية الذي طلب من قيادة الجيش «اتّخاذ كل التدابير للدفاع عن القرى اللبنانية الحدودية» وناشد المتقاتلين في سوريا «تحييد السكان والبلدات عن مرمى نيرانهم».
وجّه سليمان هذه الدعوة الشاملة، لكنها من دون شكّ لا تستثني أي فريق يقاتل في سوريا، ومنهم «حزب الله» الذي لا يدافع عن اللبنانيين الحدوديين ولا يمنع حليفه في الداخل السوري من استهداف اللبنانيين. لهذا فإن في ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة»، عنصرين يتكاملان هما الجيش والشعب، وميشال سليمان ينتمي اليهما معا، فهو ابن المؤسسة العسكرية وكان قائدا للجيش اللبناني وهو كذلك ينتمي الى الشعب اللبناني ويحتضنه في الوقت عينه. حال اللبنانيين من حال رئيسهم والعكس صحيح، وحال من اختار أن يموت بإرادته دفاعا عن الولي الفقيه تشذّ عن الثنائية، وتتراكم الإعتذارات عليه وتتضاعف مع مرور الوقت: اعتذار من الجيش على قتل الضابط الطيار سامر حنا، اعتذار من الشعب اللبناني عن إخفاء المتّهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تبعه من اغتيالات، من البيروتيين عن 7 أيار، انتهاء بالإعتذار من الشعب السوري.