أعادت الأزمة الأوكرانية مفهوم الدعاية السياسية الى فترة حسبناها منقضية في تاريخنا الحديث. فمن جهة، ثمة الدعاية الروسية الرسمية التي تسخّف المعركة الجارية وتجعلها بين «الوطن الأم» وبين «أشياع النازية»، ومن جهة ثانية، ثمة الدعاية الأوكرانية والغربية التي «تشخصن» الموضوع مع فلاديمير بوتين، فتشبّه الأخير بأدولف هتلر.
ثمّة بالتأكيد عناصر من الواقع تسند هذه الدعاية أو تلك. فالغلواء القومية في شوارع كييف ولفوف مستندة الى تراث شوفيني لم يراجع نفسه ولو بالحد الأدنى طيلة ربع القرن الأخير من الاستقلال الوطني، وبدلاً من أن يأخذ مسافة عن ستيبان بانديرا و«الجيش الأوكراني المتمرّد» مرتكب أبشع المجازر ضد عشرات الآلاف من البولنديين في فولينيا وغاليسيا ابان سني الحرب العالمية الثانية، والذي استمرت عملياته حتى مطلع الخمسينيات، والذي مزج بين التعاون مع الاحتلال الالماني والاشتباك «المطلبي» معه، فقد حدث العكس: تمجيد كل هذا الماضي ورفع رموزه الى مصاف الأبطال المقدّسين، وبالشكل الذي يزيد من حدّة الشقاق، الإثني واللغوي والمناطقي، ويجعله تصادماً بين ذاكرتين سياسيتين متعاديتين بشكل جذري. وعندما يجري الكلام عن هذه الذاكرة الشوفينية المحتقنة، فانه يتجاوز فصائل «اليمين المتطرف» ليشمل القطاعات الشعبية الأوسع من المندفعين الى محاولة التطهّر من كل ما هو روسيّ في اوكرانيا.
وبالتوازي، فانّ الاطمئنان الى ان منسوب اليمين المتطرف في بلد كأوكرانيا لا يزيد عنه في النمسا او فرنسا، لا يفيد كثيراً، حيث أنّ هناك فارقاً كبيراً بين يمين متطرّف ينمو في أحشاء أو على هوامش دولة أمة توطدت فيها الديموقراطية الليبرالية وحكم القانون، وبين يمين متطرّف ينمو في بلد تعطّلت فيه مسيرة توطيد الدولة الأمّة، وتعثّرت فيه عملية التحول الدستوري السلمي في اتجاه الديموقراطية الليبرالية.
كما أن الحركات القومية المتطرفة في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق غير روسيا، تستفيد من الموقف الانسانوي ضد «التوتاليتارية الستالينية» لتروّج لطبيعتها «المقاتلة من أجل الحرّية»، فتبقي على ثقافة عنفية من ناحية، وتقتبس من الثقافة الليبرالية من ناحية ثانية.
ومن جهة روسيا، ثمة بالتأكيد عناصر شبه بين الاذلال الذي شعرت به المانيا بعد خسارتها الحرب العالمية الاولى وما تشعر به روسيا بعد خسارتها الحرب الباردة، بل ثمة استعادة روسية للمقولتين الالمانيتين الممهدتين لانطلاقة القومية – الاشتراكية: مقولة «الطعنة في الظهر»، ومقولة «الاملاء». في الخطاب الهتلري، لم تكن المانيا لتهزم في الحرب العالمية الاولى بالضرورة، لولا انها «طُعنت بالظهر» من قبل الدعاية «اليهو – بلشفية»، ليفرض عليها من ثم «املاء» العواصم الغربية المذلّ لها. أما في روسيا، فان فلاديمير بوتين يوزع اتهاماته حول «طعنة الظهر» وحول «الاملاء المفروض». فعنده ان البلاشفة انفسهم هم اول من طعن روسيا في ظهرها يوم قبلوا بتوقيع اتفاقية «بريست ليتوفسك» الجائرة مع المانيا، وعنده في الوقت نفسه ان سقوط الاتحاد السوفياتي يساوي «كارثة استراتيجية»، أي طعنة ظهر .. فحلّها!
لكن فلاديمير بوتين ليس ادولف هتلر جديداً، تماماً مثلما ان مكابرة القوميين الاوكران على صفحات التعاون مع النازية قبل اكثر من سبعين عاماً، لا يجعلهم نازيين اليوم. ثمة بالتأكيد عنصر «ديموغرافي» يذكر بالكارثة الألمانية. فكما ان الوجود الالماني في دانتزيغ والسوديت ودول البلطيق، فضلاً عن المسألة النمساوية، شكّل دافعاً لسياسة «لمّ الشمل» العدواني والتوسعي النازية، كذلك الوجود الروسي في الجمهوريات السوفياتية يطرح تحديات خطيرة، إلا انها تحديات من نوع مختلف، طالما ان روسيا الاتحادية هي بحد ذاتها استمرارية لامبراطورية متعددة اثنياً في تعريفها.