
كتب المحرر السياسي في صحيفة “السفير”:
ما أن يخرج اللبنانيون من مهزلة حتى تكون أخرى في انتظارهم، وكأن هذه الطبقة السياسية مصرّة على البقاء في عمر المراهقة، وإهانة مواطنيها الذين صاروا في مرتبة رعاياها.
احتاجت الحكومة إلى قرابة 11 شهراً من المماحكات والمناورات حتى وُلدت بالشكل المعروف، والأكيد أن هذه التركيبة الهجينة لم تكن تتطلب استهلاك كل هذا الوقت الطويل من العبث المعيب، على حساب مصالح اللبنانيين وكرامتهم، إذ أن التنازلات المتبادلة التي أتاحت جمع “8 و14 آذار” كانت تحتاج فقط إلى قرار سياسي، تبين أنه ممكن بين ليلة وضحاها متى توافرت الإرادة.. والتغطية، من دون تغييب المعطيات الخارجية..
اليوم، يكاد السيناريو ذاته يتكرر مع البيان الوزاري.
كرّ وفرّ، وتشاطر لغوي، وعض أصابع، وسقوف مرتفعة، ورقص على حافة الهاوية، وهدر للوقت، من دون أي مراعاة لأولويات اللبنانيين ومشاعرهم. وأغلب الظن، أن الكثيرين من الناس العاديين المنشغلين بهمومهم اليومية لا يعنيهم كل هذا النقاش العقيم حول بيان، لم يحصل في الماضي أن طبقته أي حكومة.
بالنسبة الى الناس، الامن ولقمة العيش وملف النازحين السوريين ومعدل هطول الامطار أهم من مواضيع الإنشاء الكلاسيكية التي تتضمنها بيانات وزارية، سرعان ما تُدفن في مقبرة الارشيف، من دون أن يكلف أحد نفسه، في ما بعد عناء، وضع إكليل زهر على ضريح أي منها.
ومع ذلك، سطر واحد تحوّل الى حبل سميك، يكاد يلتف حول عنق الحكومة حتى الاختناق.
سطر واحد، ضاق حتى الآن ببلاغة اللغة العربية وحروف أبجديتها.
سطر واحد قبض على الحكومة والانتخابات الرئاسية ثم النيابية، بحيث أصبحت كل الاستحقاقات المقبلة رهينة له.
والغريب أن هذا السطر المختلَف عليه يتعلق بالمقاومة التي تُراد ملاحقتها حتى البيان الوزاري، برغم أن الجميع يدرك ان بضع كلمات لن تقدم أو تؤخر في المسار العملي والميداني لهذه المقاومة التي خرجت من رحم الارض المحتلة، واكتسبت شرعيتها من دماء الشهداء والجرحى وآلام الأسرى ودعاء جمهورها وحرارة أرضها.
في الأصل، لم تستأذن المقاومة بياناً وزارياً ولا حكومة ولا رئيساً للجمهورية ولا توافقاً وطنياً، ولو فعلت لكانت حتى الآن مجرد مشروع عالق في أنفاق السياسة اللبنانية.
غريب أمر هذه الدولة التي تجلد نفسها، وتستعجل التخلي عن أحد أبرز عناصر القوة مجاناً. حتى الاستغناء عن المقاومة – وفق ما يريده المعترضون عليها – يمكن أن يكون له الثمن الذي يتناسب وحجمها وتأثيرها، فلماذا هذه الحماسة للتفريط بها من دون أي مقابل؟
وإذا كان تشكيل الحكومة قد استغرق 11 شهراً، والتفاوض حول بيانها الوزاري لامس حدود الشهر، فإنه يصبح مشروعاً التساؤل عن جدوى كل هذا المسار المتعرج والمتعثر الذي انطلق في الأساس من التكليف مروراً بالتأليف وصولاً الى البيان الوزاري. بهذا المعنى، وبمعزل عن المهل الدستورية، تبدو الحكومة وكأنها سقطت معنوياً، سواء سقطت دستورياً أم لا.
لم يعد الامر يتعلق بمجرد خلاف حول بند في البيان الوزاري، بل هو في تجاوز دلالاته وأبعاده هذا المدى، ليطرح التجربة كلها على بساط البحث منذ تسمية تمام سلام، بعدما ثبت أن هناك عطباً بنيوياً وتكوينياً في التسوية المفترضة التي أنتجت حكومة تعاني من تشوه خلقي.
سريعاً، تلاشى مفعول الصورة التذكارية لوزراء “8 و14 آذار”في قصر بعبدا، ليتبين أن الشعوب والدول اللبنانية حُشرت حشراً في حكومة واحدة، من دون أي أسس متينة او حد أدنى من المقاربات المشتركة.
وحتى لو تحققت معجزة أخرى، كما يتمنى الرئيس تمام سلام، ووُضع البيان الوزاري، فالأرجح أن هذه الحكومة ستتعثر عند كل منعطف، وهي ستكون أضعف وأعجز من أن تواجه الاستحقاقات التي تنتظرها، من أمنية ودستورية.
مجلس الوزراء..
والاحتمالات المفتوحة
وأمام كل ما تقدم، ينعقد مجلس الوزراء اليوم في قصر بعبدا، وسط تشاؤم أوساط سياسية في فريقي “8 و14 آذار” من إمكان تحقيق أي خرق، فيما ترى أوساط أخرى أن البيان الوزاري سيولد في ربع الساعة الأخير، برغم كل مظاهر التأزم.
وفي انتظار ما ستحمله الساعات المقبلة من تطورات، لم تظهر حتى ليل أمس مؤشرات حقيقية الى إمكانية نجاح المجلس خلال جلسة اليوم في تدوير زوايا الخلاف الحادّ حول بند المقاومة في البيان الوزاري، بل إن المعطيات بيّنت أن كل طرف سيأتي الى الجلسة متمترساً خلف موقفه المعروف، وعُلم أن قيادات “14 آذار” توافقت خلال مشاورات أجرتها أمس الأول على التمسك بطرحها الداعي الى ربط المقاومة بمرجعية الدولة وعدم التراجع عنه.
وفي المقابل، علمت “السفير” أن فريق “8 آذار” يعتبر أن مسألة الحفاظ على استقلالية عمل المقاومة وخصوصيتها هي مسألة مبدئية غير قابلة للمساومة، وقد أبلغت أوساط قيادية في هذا الفريق “السفير” أنه إذا أصبح الخيار بين الحكومة والمقاومة فإن “8 آذار” ستنحاز حكماً الى جانب الثانية، لأن الحكومات تذهب وتأتي أما المقاومة فهي خيار استراتيجي ومصيري.
وإذا أخفقت جلسة مجلس الوزراء في الوصول الى تفاهم، فسيكون الرئيس تمام سلام أمام خيارين، فإما أن يعطي نفسه والحكومة فرصة إضافية حتى السبت، لعله يمكن تحقيق توافق بعد انتهاء زوبعة الاحتفال الخطابي لقوى “14 آذار” في “البيال” غداً، وإما أن يبادر الى الاستقالة ويقلب الطاولة في مواجهة فريقي الأزمة.
وأبلغت مصادر مطلعة “السفير” أن سلام الذي أنهكه التأليف ويُراد سجنه بين سطور البيان الوزاري يميل فعلاً إلى الاستقالة التي ستكون أقرب إلى الانتفاضة بعد أشهر من الصبر.
وفي حال فعلها تمام سلام، فهو سيكون منسجماً مع نفسه ومع موقعه وتاريخه ودارته وجمهوره وسيجد الكثيرين من المتعاطفين معه، ولعل أي قرار من هذا النوع سيعيد خلط الأوراق وسيسمح بمراجعة كل مقومات “الصفقة” التي جاء على أساسها سلام وتشكلت بموجبها الحكومة، علماً أن التكليف والتأليف من جديد لن يكونا سهلين، وبالتالي فإن سلام سيتحوّل الى رئيس حكومة تصريف أعمال لفترة طويلة.