“أحد الجوانب المهمة لأزمة أوكرانيا ان الرئيس فلاديمير بوتين فجّر أزمة ثقة حقيقية وعميقة بينه وبين إدارة الرئيس باراك أوباما والكثير من الحكومات الغربية وأظهر، من طريق تعامله مع هذه الأزمة وسعيه الى فرض إرادته على الأوكرانيين ومحاولة منعهم من التقارب مع الغرب، انه ليس محاوراً يمكن الوثوق بتعهداته والتزاماته والتعاون معه جدياً من أجل تسوية الأزمات الإقليمية الحادة وأبرزها الأزمة السورية بطريقة تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة وتستجيب للتطلعات المشروعة للشعوب في سعيها الى نيل حقوقها ومطالبها الحيوية الأساسية”. هذا ما عبّر عنه مسؤول غربي بارز في جلسة خاصة في باريس. وقال ان هذا الإقتناع الأميركي – الغربي – الإقليمي مرده الى العوامل الأساسية الآتية:
أولاً – يريد بوتين، بوسائل متنوعة، أن يطبق مبدأ “السيادة المحدودة” على أوكرانيا، أي إخضاعها للوصاية الروسية المباشرة أو غير المباشرة مما يتناقض مع كونها دولة مستقلة ذات سيادة ومع حق شعبها في تقرير مصيره بحرية ومما يتناقض أيضاً مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومع التزام روسيا ذاتها رسمياً وخطياً عام 1994 بالإتفاق مع أميركا وبريطانيا احترام استقلال هذه الدولة وسيادتها ووحدة أراضيها والإمتناع عن التدخل في شؤونها في مقابل تخليها عن أسلحتها النووية.
ثانياً – مبدأ “السيادة المحدودة” المفروض على بعض الدول تبناه وطبقه في السبعينات من القرن الماضي الزعيم السوفياتي الراحل ليونيد بريجنيف، كما يتبناه بوتين منذ تسلمه السلطة لأنه يريد إنشاء “روسيا الكبرى” مع بعض الدول المجاورة لروسيا وأبرزها أوكرانيا وإخضاع هذه الدول لسلطة موسكو.
ثالثاً – يصطدم بوتين في محاولته تحقيق هذا الهدف بواقعين أساسيين، لأن العالم تغير جذرياً منذ عهد بريجنيف الى اليوم ولأن الإتحاد السوفياتي إنهار وانتهى: الواقع الأول ان دولاً عدة كانت جزءاً من الإتحاد السوفياتي باتت جزءاً من العالم الغربي وان الشعب الأوكراني وفي غالبيته الواسعة، إستناداً الى معلومات العواصم الغربية المعنية بالأمر، يرفض الخضوع لسلطة موسكو وتنفيذ مطالبها بل انه يرغب في التقارب سياسياً واقتصادياً ومالياً وأمنياً وفي مجالات أخرى مع الإتحاد الأوروبي والغرب والإحتفاظ في الوقت عينه بعلاقات طبيعية جيدة مع روسيا. الواقع الثاني ان أميركا والدول الأوروبية تريد مد جسور التقارب والتعاون مع أوكرانيا، خصوصاً ان الدول المجاورة لها والتي كانت جزءاً من الامبراطورية السوفياتية، وهي بولونيا والمجر ورومانيا وسلوفاكيا، باتت أعضاء في الإتحاد الأوروبي، وان دول البلطيق الثلاث المجاورة لروسيا باتت أعضاء في حلف شمال الأطلسي.
رابعاً – أثبت بوتين في هذه الأزمة وفي الأزمة السورية وأزمات أخرى انه يرفض الإعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها عندما يتناقض ذلك مع المصالح الروسية، وعلى هذا الأساس رفض الإعتراف بالسلطة الموقتة التي نشأت في أوكرانيا بعدما أطاحت الحركة الثورية الشعبية القيادة المرتبطة بموسكو، كما رفض التحاور والتفاهم معها سلمياً وترك الشعب الأوكراني يقرر مصيره في انتخابات أيار المقبل.
خامساً – يتخوف بوتين جدياً من انتشار الديموقراطية في أوكرانيا واتساع نطاق النفوذ الغربي فيها مما ينعكس على الأوضاع في روسيا بطريقة تضعف سلطته. وهذه المخاوف دفعت بوتين الى أن يتصرف بروح المغامرة ويهدد باستخدام القوة والتدخل عسكرياً في أوكرانيا، لكن أقصى ما يستطيع أن يفعله هو ضم شبه جزيرة القرم الى روسيا بطريقة غير شرعية وغير معترف بها دولياً مما يجعله يخسر أوكرانيا ويواجه إجراءات وعقوبات أميركية – أوروبية قاسية ضده وضد بلده تهدد الأوضاع الإقتصادية والمالية في روسيا وتقلص نفوذه ودوره. وقد أثبت بوتين عجزه عن الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أوكرانيا لأنه تمسك بفرض مبدأ ” السيادة المحدودة ” عليها، وقت أثبتت أميركا والدول الأوروبية انها قادرة على تعزيز علاقاتها مع أوكرانيا من طريق توثيق الروابط معها وتقديم مساعدات متنوعة اليها ومواصلة الضغوط على القيادة الروسية لكي تترك الأوكرانيين يقررون مصيرهم بأنفسهم.
وخلص المسؤول الغربي الى القول: “يعطي بوتين الأولوية لمحاولة تحقيق طموحات أكبر من قدراته ولمحاولة فرض إرادته على أوكرانيا والمجتمع الدولي. وهذا خطأ كبير إذ ان أميركا والدول الغربية الأخرى لن تتركه يفعل ما يريد في الساحة الأوروبية وهي تملك الإرادة السياسية وقدرات أكبر من قدرات روسيا لإحباط هذا المشروع وإلحاق الهزيمة بمبدأ بوتين”.