#adsense

هل خدمت «14 آذار» عسكريّتها؟

حجم الخط


الحركة أو الحزب أو أيّ إطار هو وسيلة، ومن الخطأ تقديسها وتأليهها، لأنّ المهم هو الهدف والنتيجة، ولكن في الوقتِ نفسه لا يمكن تحقيق هذا الهدف أو الوصول إلى تلك النتيجة إلّا عبر وسيلة قادرة وصالحة، وبالتالي المطلوب هو المزاوجة بين الفكرة والإطار، الأمر الذي يقود إلى التساؤل الآتي: هل ما زالت «14 آذار» الإدارية أداة صالحة لتحقيق مبادئ انتفاضة الاستقلال؟

الأجوبة المبسّطة للمسائل المعقدة لا تفي بالمطلوب، وهي غالباً ما تتراوح بين حدّين متناقضين: جَلد الذات من قبيل نعي 14 آذار، أو التمسك بها بسبب غياب البديل عنها. وأسوأ ما في الاحتمالين أنهما يعبّران عن استقالة وعجز، فيما المطلوب دفع قيادات 14 آذار أو بعضٍ منها باتجاهين: إعادة الروح إلى جسم الحركة الاستقلالية من خلال استقامة سياسية وخطوات تنفيذية، أو الذهاب نحو إطار جديد قادر على تحقيق مبادئ ثورة الأرز وشعاراتها، وفي الحالتين دور الرأي العام أساسي ليس في الانفصال عن قياداته، لأنه أعجز من أن يشكّل حالة سياسية بمفرده، إنما في تحوّله إلى قوة ضاغطة من أجل دفع هذه القيادات إلى تحمل مسؤولياتها، كون استمرار الأمور على ما هي عليه يعني خسارة القضية التي تحملها 14 آذار.

وقد حان الوقت للإقرار أنّ 14 آذار بصورتها الراهنة غير قادرة على إدارة المواجهة الوطنية على مستويَين: السيادي والإصلاحي، ما يتطلب ورشة تنظيمية تعيد الاعتبار إلى مسألتين: صناعة القرار السياسي بجعلها جماعية وتوافقية، بمعنى أنّ اتخاذ أيّ قرار يجب أن يتم بالتوافق بين القيادات الأساسية، والمسألة الأخرى توحيد القراءة السياسية ليس بالمعنى الشمولي، إنما عن طريق الالتزام بخريطة طريق جدية تتعدى المواجهة مع «حزب الله» على أهميتها ومركزيتها إلى كل أوجه الحياة الوطنية في سبيل تفعيل وإشراك كل طاقات المجتمع اللبناني.

وقد حان الوقت أيضاً لتبدية إطار المواجهة على فكرة 14 آذار التي تمّ توظيفها واستخدامها على حساب وحدة الصف، خصوصاً أنّ هذه الفكرة التي تجسّد التلاحم المسيحي-الإسلامي في مواجهة الأخطار الوطنية أصبحت من المسلمات وحتى البديهيات، وبالتالي يقتضي التأسيس على هذا الانجاز الوحدوي لتحقيق مزيد من الأهداف الوطنية وليس التلطي خلفه والتذرع به لإبقاء 14 آذار التنظيمية في حالة الموت السريري، ما يعني أنّ المطروح اليوم هو إحياء وتفعيل ومأسسة تنظيم 14 آذار، وكل الكلام عن فكرة 14 هدفه إبقاء هذا التنظيم بحالته المعروفة.

وقد حان الوقت أيضاً وأيضاً لتحميل الطرف أو الأطراف التي تريد إبقاء 14 آذار على صورتها الحالية المسؤولية، وكأنها مستفيدة من هذه الحالة الفوضوية للتحكم بإدارة اللعبة السياسية بعيداً من الضوابط التنظيمية، الأمر الذي لم يعد مسموحاً الاستمرار فيه، لأنّ مصائر الشعوب والأوطان لا تُدار بخلفية سلطوية، إنما وفق قواعد مبدئية ورؤية وطنية وخطط استراتيجية.

ولعلّ مصدر الشكوى الأساسي متأتٍ من الإدارة السياسية التي قادت إلى تسويات غير مقبولة وتنازلات غير مبررة وخطوات غير مدروسة ومواقف غير مفهومة، وبالتالي أهم قضية وأعدلها غير قابلة للتحقق من دون إدارة سياسية واعية وسليمة مهمتها صناعة القرارات والإشراف على تنفيذها على قاعدة الشراكة.

وقد يكون استحقاق رئاسة الجمهورية مفصلي في هذا السياق بعد النكستين النيابية والحكومية، لأنّ لا قيمة لأيّ تحالف إذا كان يقتصر على التقاطع المبدئي دون السلطوي، ومسؤولية 14 آذار في هذه المرحلة كبيرة لجهة اختيار الشخصية المسيحية القادرة على استكمال ما بدأه الرئيس ميشال سليمان الذي أعاد إلى رئاسة الجمهورية دورها وحضورها، وأما التباكي على دور المسيحيين أو الحرص عليه فلا ينفع من دون ترجمته داخل المؤسسات بدءاً من الرئاسة الأولى.

فالقضية المطروحة في الذكرى التاسعة لانتفاضة الاستقلال تتصل بالروحية المفقودة والحماسة الغائبة نتيجة الخلل التنظيمي، وتجربة الأعوام المنصرمة دلت أنّ جمهور 14 آذار يتموضع وطنياً، لا طائفياً، أي خلف الجهة التي يرى بأنها مؤتمنة في هذا الاستحقاق أو ذاك على فكرة 14 آذار وقضيتها، وبالتالي المطروح اليوم إما تطوير 14 آذار قريباً بجعلها جبهة سياسية، أو جعلها محطة للذكرى والبحث عن صيغة بديلة سريعاً تكون قادرة على مواجهة المرحلة واستحقاقاتها والعبور من خلالها بفكرة 14 آذار إلى الدولة ومؤسساتها.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل