ما حقيقة مهلة الشهر للبيان الوزاري؟ النصوص الدستورية الملتبسة تحتاج لتفسير
لم يعد معقولاً ولا مقبولاً أن يظل الدستور لدى بعض السياسيين مجرد وجهة نظر والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة مجرد ضابط ارتباط وللتنسيق أو ساعي بريد ورئيس الجمهورية مجرد حامل اختام… وصار لا بدّ من تفسير النصوص الملتبسة لعدد من المواد بتكليف المجلس الدستوري ذلك أو ترك الأمر لمجلس النواب كي لا يظل كل طرف سياسي يفسرها على هواه ووفق مصالحه ريثما يعاد النظر في الدستور على نحو يتلاءم والظروف المتغيرة والتطورات المستجدة. ففي موضوع تشكيل الحكومة نص الدستور بوضوح على استشارات نيابية ملزمة يجريها رئيس الجمهورية ويكلف تشكيلها مَن تسميه الأكثرية النيابية، ونص أيضاً على ان يصدر بالاتفاق مع الرئيس المكلف مرسوم تشكيل الحكومة.
أما بالنسبة إلى الرئيس المكلف فينص الدستور على أن يجري استشارات نيابية لتشكيل الحكومة التي عليها أن تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها ولا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال.
وكان الرؤساء الذين يكلّفون تشكيل الحكومة يجرون استشارات نيابية للوقوف على آراء الاحزاب والكتل في السياسة الداخلية والخارجية التي ستنتهجها الحكومة والمشاريع التي تنوي إقرارها، وكذلك في حصة كل حزب وكتلة وفي الحقائب التي ستسند إلى كل وزير ليخرج من هذه الاستشارات بتصور كامل لعملية التشكيل. حتى إذا ما اتفق عليها مع رئيس الجمهورية تصدر المراسيم وإذا لم يتفق معه يعتذر ليفسح في المجال أمام تكليف سواه.
لكن الثغرة التي ظهرت في هذا النص الدستوري ولم يتم التوصل إلى اتفاق في شأنها هي التي تتعلق بتحديد مهلة لعملية التشكيل حتى إذا ما انقضت فان الرئيس المكلف يعتذر عن عدم تمكنه من التأليف ليفسح في المجال لاجراء استشارات نيابية جديدة تعيد تسميته أو تسمية سواه. لكن بعض المشاركين في لقاءات الطائف يقولون إن الأكثرية رفضت تحديد مهلة للرئيس المكلف لئلا تصبح ورقة ضغط في يد الاحزاب والكتل وأحياناً في يد رئيس الجمهورية إذا لم يكن راضياً عن تكليفه لإفشاله في مهمته من خلال وضع العراقيل أمام الرئيس المكلف بحيث تنقضي المهلة المحددة له ولا يكون قد توصل الى تأليف الحكومة فيكلف عندئذ سواه، خصوصاً أن هذا حصل في الماضي مع عدد من الذين كلفوا تشكيل الحكومة، خصوصاً يوم كان ما يسمى “المكتب الثاني” قادراً على عرقلة التأليف توصلاً إلى تكليف شخصية أخرى. إلا أن من أرادوا تحديد مهلة للرئيس المكلف نجحوا في تحريرها بتحديد مهلة لوضع البيان الوزاري بجعلها شهراً واحداً. وقد تعمدوا تركها غامضة لئلا يثيروا اعتراض مَنْ رفضوا تحديد مهلة للرئيس المكلف لتشكيل الحكومة بتحديد مهلة شهر لإنجاز البيان الوزاري من دون القول إن الحكومة تعتبر مستقيلة إذا لم ينجز البيان خلال هذه المهلة فأبقوا النص غامضاً وقابلاً لتفسيرات شتى، كما هو حاصل حالياً بين من يقول إن هذه المهلة إذا انقضت فالحكومة تعتبر ساقطة، ومن يقول خلاف ذلك ويعتبر المهلة لحث الحكومة على انجاز البيان وإلا لكان ورد نص واضح في هذا الشأن. هذا ما كشف عنه بعض من شاركوا في لقاءات الطائف.
إن تشكيل الحكومة اليوم بات مختلفاً عن الماضي وخلافاً لروح الدستور ونصه، إذ إن الاحزاب والكتل النيابية هي التي أخذت تقوم بها وليس الرئيس المكلف، فهي التي تسمي الوزراء والحقائب تحت طائلة التهديد بعدم المشاركة في الحكومة إذا لم يؤخذ بها، في حين أن من حق الرئيس المكلف إشراك الاحزاب والكتل النيابية بوزراء يتشاور في تسميتهم معها، فإما يصير اتفاق أو يصير خلاف ويعود للرئيس المكلف عندئذ أن يقرر إما الاعتذار عن عدم التشكيل، وإما المثول أمام مجلس النواب لنيل الثقة، فاذا لم ينلها يجري رئيس الجمهورية عندئذ استشارات نيابية جديدة لتسمية سواه.
أما صوغ البيان الوزاري، فان الاتفاق على خطوطه العريضة كان يتم من خلال الاستشارات التي يجريها الرئيس المكلف مع الاحزاب والكتل النيابية بحيث تتألف الحكومة من الاحزاب والكتل التي توافق على هذه الخطوط، ومن لا يوافق عليها يبقَ خارج الحكومة خلافاً لما هو حاصل اليوم. لذلك ينبغي على الرئيس المكلف تشكيل الحكومة أن يتفاهم مع الاحزاب والكتل ليس على حصة كل منها وعلى الحقائب فقط، إنما على الخطوط العريضة للبيان الوزاري.
لقد كان على الرئيس سلام أن يشكل حكومة من الاحزاب والكتل النيابية التي توافق على “اعلان بعبدا”، فإذا تعذر عليه ذلك يعتذر أو يشكل حكومة من مستقلين وليس من سياسيين متناحرين، وليتحمل مجلس النواب عندئذ مسؤولية حجب الثقة عنها.
