
كتبت صحيفة “النهار”:
نفدت حكومة الرئيس تمام سلام من قطوع الاستقالة قبل ثلاثة ايام من انتهاء المهلة الدستورية لتقديم بيانها الوزاري وامكن التوصل الى الصيغة “السحرية ” الجديدة لعقدة “المقاومة ” التي جمعت “مسؤولية الدولة في تحرير الارض ” مع ” حق المواطنين اللبنانيين في مقاومة الاحتلال ” .
هي خلاصة مبسطة لمجريات استهلكت ساعات ماراتونية اضافية منذ ما بعد ظهر امس الى ساعة خروج الدخان الابيض للمرة الاولى من مدخنة قصر بعبدا قرابة العاشرة والربع بعد تأخير اكثر من ساعتين وربع ساعة من موعد انعقاد الجلسة الثانية لمجلس الوزراء لاقرار البيان الوزاري ومن ثم اعادة تعليق الجلسة الى الحادية عشرة والنصف بعد تحفظ وزراء الكتائب والوزير اشرف ريفي عن الفقرة المتعلقة بالمقاومة. لكن الوقائع المباشرة وما وراءها من خلفيات لم تحجب هزال هذا الانجاز الذي امكن تحقيقه بشق النفس فجاء باهتا لفرط ما استهلك من وقت ومشاورات واتصالات لم تقتصر على القوى السياسية الداخلية بل تمددت في اتجاهات ديبلوماسية اقليمية ودولية. كما ان صيغة التسوية التي تم التوصل اليها بدت على كثير من الهزال نظرا الى التناقض الصارخ الذي اتسمت به في حصر مسؤولية التحرير بالدولة من جهة والحق في المقاومة بالمواطنين اللبنانيين من جهة مقابلة، بما يشي بصياغة لغوية لم يكن هدفها الحقيقي منها سوى جمع تناقضات نافرة بما يؤسس لتمديد الصراع العمودي الحاد حول هذا المفهوم الهجين للجمع بين منطق الدولة الاحادية السلطة ومنطق المقاومة المستقلة عن الدولة.
وجاءت الفقرة المتعلقة بموضوع المقاومة في ضوء اقتراح لرئيس مجلس النواب نبيه بري ادخلت عليه تعديلات بعد مشاورات طويلة ساهم فيها الرئيس سعد الحريري الذي كان على تواصل مع الرئيس فؤاد السنيورة ومدير مكتب الحريري السيد نادر الحريري اللذين زارا قصر بعبدا بعد الظهر كما ساهم فيها النائب وليد جنبلاط من خلال الوزير وائل ابو فاعور وعقدت عشرات الخلوات على هامش الجلسة شارك فيها جميع الوزراء. ونصت الفقرة على الآتي: ” تؤكد الحكومة واجب الدولة وسعيها الى تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر وذلك بشتى الوسائل المشروعة مع تأكيد حق المواطنين اللبنانيين في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الارض المحتلة “.
لكن وزراء الكتائب الثلاثة سجعان قزي والان حكيم ورمزي جريج اعلنوا رفضهم الفقرة المتعلقة بالمقاومة على ان يتخذ المكتب السياسي للحزب الموقف النهائي اليوم، علما ان الوزير قزي لمح الى امكان استقالة الوزراء الثلاثة كما ان مصادر كتائبية اكدت هذا الاتجاه ليلا. اما الوزير ريفي فتحفظ عن ثلاث نقاط هي فقرة المقاومة لعدم ربطها بكنف الدولة وعدم ورود اي شيء عن انسحاب “حزب الله ” من سوريا وعدم لحظ اي اشارة الى الامن الذاتي للحزب وخصوصا في محيط عرسال.
محضر الوقائع
وحصلت “النهار” على المعطيات الكاملة التي رافقت ولادة البيان الوزاري عبر مصدر وزاري شارك في كل مراحل الولادة. وكانت البداية بعد جلسة مجلس الوزراء الماراتونية مساء أول من أمس حيث فشلت المفاوضات للاتفاق على صيغة بيان، فانعقد فور رفع الجلسة اجتماع بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس الوزراء تمام سلام ووزير الصحة وائل ابو فاعور بتكليف من النائب وليد جنبلاط. واتفق خلال اللقاء على خطة عمل قرر في ضوئها الرئيس سليمان الغاء كل مواعيده امس للانصراف الى اجراء الاتصالات اللازمة. واتصل بالرئيس فؤاد السنيورة واتفقا على اللقاء صباح أمس وهكذا كان فانعقد لقاء ضم الى الرئيس سليمان والرئيس السنيورة الوزير ابو فاعور والسيد نادر الحريري. وفي موازاة ذلك جرت مشاورات بين الرئيس بري والنائب جنبلاط. وتمحورت هذه المشاورات على صيغ عدة احداها قدمها الرئيس بري وادخل عليها الرئيسان سليمان والسنيورة تعديلات، وتولى ابو فاعور نقلها الى جنبلاط الذي حوّلها الى بري وقيادة “حزب الله” عبر الحاج وفيق صفا. وفيما حظي بعض التعديلات بالموافقة، لم يحظ بعضها الآخر بالقبول.فيما اقترح فريق بري و”حزب الله” عبارة “اعتماد الوسائل المشروعة والمتاحة” طالب فريق 14 آذار باعتماد عبارة “الوسائل المشروعة” فقط.كما أصرّ “حزب الله” على صيغة “حق الشعب اللبناني واللبنانيين” فيما دعا السنيورة الى اعتماد صيغة “حق الدولة وابنائها”، ,وكلف بري الوزير علي حسن خليل نقل المقترحات التي يطرحها الحزب الى ان اقترح جنبلاط عبارة “ابناء الوطن” فوافقت 14 آذار عليها، لكنها لم تحظ بموافقة 8 آذار .عندئذ طلب سلام انعقاد مجلس الوزراء السابعة مساء، لكن سليمان استمهله حتى الثامنة مساء لاستكمال الاتصالات. فدخل جنبلاط على الخط مباشرة وقبل نصف ساعة من الجلسة فاقترح عبارة “حق المواطنين اللبنانيين” فنالت موافقة الفريقين.
وفي هذه الاثناء كان الرئيس سعد الحريري داخل المشاورات وعبر السنيورة فيما بذل رئيس الجمهورية جهدا أثمر استبدال كلمة “تحرير” بـ”استرجاع الارض”. وعندما برز موقف الكتائب الرافض نشطت الاتصالات مع الرئيس امين الجميل تولاها الرؤساء سليمان والحريري والسنيورة والنائب جنبلاط.وفي ختام هذه الاتصالات انعقدت الجلسة حيث تليت الفقرة المتصلة بالمقاومة والدولة”.