وكأن حياة الشعب اللبناني تتوقّف على ما يريده بشار الأسد! ففي الذكرى التاسعة لانتفاضة الأرز والرابعة لانطلاق الثورة السورية، قرر الأسد أن يُطلق جملة مواقف أبرزها يتعلّق بلبنان وبانتخاب رئاسة الجمهورية. يصعب على «الرئيس الأبدي»، الذي يحكم سوريا منذ العام 2000، أي منذ 14 عاما، أن يصدّق أن القائمين على القرار في لبنان لا يتشاورون معه كما جرت العادة قبل العام 2008، أو بالأحرى لا يتلقّون أوامر منه.
يصرّ الأسد، رغما عن الشعبين اللبناني والسوري، على الإستمرار في لعب دور الرئيس «الحريص» على بلده وعلى الجوار، ولفرط حرصه وديموقراطيته قطع الطريق أمام ترشّح المعارضين للإنتخابات الرئاسية، وأرسل كلمة السرّ الى بعض الأحزاب اللبنانية وأبرزها تلك التي تقاتل الى جانب قواته في سوريا.
وصلت الرسالة. فالأسد يحثّ الممانعة في لبنان على بذل المزيد من «الجهد» لنصرته ويشجّع شباب الطائفة الشيعية على تلبية أوامر «المقاومة»، هذه الطريقة الفُضلى ليظنّ الجميع بأنه المنتصر. أما أن «يتوسّع» جغرافياً وسيادياً فهذا ما سيبقى حلماً بالنسبة إليه طالما أن للبنان رئيس جمهورية يرفض الإملاءات ولا يذعن لأي موقف يطلقه الأسد منذ أن استلم رئاسة الجمهورية في العام 2008. «الخطّ» مقطوع بين بعبدا ودمشق، هذا يعني أن أي اتّصال بين الأسد والشعب اللبناني هو مجرّد وهم.
وإن كانت رسائل الأسد عديدة وتخصّ كل طرف في لبنان، فإن حديثه حول «هوية الرئيس اللبناني المقبل» ليس سوى تنفيس عن نياته التي احتفظ بها طيلة 5 سنوات تقريبا، فالرئيس ميشال سليمان «لا يقف على خاطره» وقد «كسر» تلك القاعدة «الشاذّة» التي كانت مسيطرة. لقد آن الأوان لأن يقول رأيه وما يهمّه «هو خيار الرئيس» وهو طبعا قصد أن يقول ان الرئيس سليمان لا يُعجبه، وهو يفضّل رئيساً من فئة الممانعين. هذا ما يبرهن حال الوهن التي يعانيها النظام السوري، وهذا الكلام ممكن أن يفسّر الفرق بين رئيس وطني ورئيس ممانع، من حيث تأثير قرارات الرئيس اللبناني على التحوّلات في سوريا.
باختصار، لقد عبّر الوزير الشهيد محمد شطح في تغريدته الأخيرة عبر «تويتر» عمّا يريده النظام السوري وهو «تخلّي الدولة له عن دورها وقرارها السيادي في الأمن والسياسة الخارجية»، وهذا فعلاً ما يترجم رسائل الأسد الى اللبنانيين. هذا فضلاً عن محاولة الأخير «استمالة» رئيس الحكومة تمام سلام قائلاً «ابن بيت سياسي عريق ويتحلّى بالأخلاق»، داعياً الى مساعدته، لكن السؤال يبقى حول كيفية المساعدة. فما هي المجالات التي يمكن أن يساعد فيها رئيس نظام يقتل شعبه واللاجئين الفلسطينيين منذ 3 سنوات، رئيس حكومة لبنان الذي لوّح مرات عدة بالإستقالة؟
واضح الفرق بين رسالة الاسد الى سليمان ورسالته الى سلام: فهو ينتظر اللحظة التي يترك فيها الأول قصر بعبدا وكأنها السبيل الوحيد «للتخلّص» منه، أما رسالته الى سلام فواسعة ومتعددة المعاني، كون حكومته تعتبر مستقيلة بحسب الدستور مع انتهاء عهد سليمان، ومن المحتمل أن تتم تسميته في الإستشارات التالية، خصوصا وأنه رفض تشكيل حكومة محايدة ووقف على مسافة واحدة من الجميع، لذا فإن «حزب الله» لا بدّ أن يكون مشاركاً في حكومته المفترضة.
لا شيء مضموناً حتى الآن إلا.. «المقاومة». هنا يفرّق بشّار بين «رجال ثبتوا في موقفهم» وبين «البعض من المتقلّبين والمنقلبين»، فالتحوّل الذي أحدثته ثورة الأرز في لبنان كان بمثابة الصفعة للنظام السوري، وحدهم ثوار الأرز أخرجوه من لبنان ووحده بشار يعيد شباب لبنان الى أهلهم جثثاً تُدمي العيون. لقد قالها «نحن في قارب واحد»، وكأنها نزهة في البحر، وكأن دوار البحر يصطادهم، يسأل عنهم أهلهم فلا يتلقون إجابة تبرّد قلوبهم. هنا، في لبنان، يعدونهم بـ «السونا» و»الكوكتيل» وهناك يزجّون بهم في قوارب خشبية مثقوبة تغرق تارة، وتارة أخرى تصطدم بحائط الجليد وتتحطّم بانتظار أن تنهار.
هذا ما يريده بشار الأسد، أن يموت اللبنانيون من أجله، وأن تعود أيام النفوذ وأن يستعيد النظام الأمني المخابراتي اللبناني – السوري أمجاده، فإن لم يمت اللبنانيون بملء إرادتهم كما اليوم، يتم قتلهم وتركهم في صناديق السيارات وفي أفضل الأحوال يُحاكمون ويودعون سجون وزارة الدفاع أو يختطفون لتبتلعهم سجون النظام السوري.
لم يكن بشار الأسد ليجرؤ على إعلان هذه المواقف لولا قرب انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وضرورة استغلال هذه الفرصة لعرض اقتراحاته علّه يجد من ينفّذها. وأن عرف كيف يختار التوقيت، إلا أن الأمور بدأت تختلط عليه، فالرجال في الدولة اللبنانية يواجهون ولا يختبئون، يحمون الشعب اللبناني ولا يحتمون به، يبكون شهداءهم ولا يستغلّون السلطة للرقص على جثثهم. فحبّذا لو تتّضح هذه الصورة في ذهن بشار الأسد ليدرك بأن هوية الرئيس اللبناني لن تكون مختلفة عن «هوى» الشعب اللبناني.
