اللعب بالكلمات ليس سوى تلاعب على الكلام

 

تختصر حكومة الرئيس تمام سلام، لا سيما في ما يتصل ببيانها الوزاري وعلاقة الدولة في لبنان بالمقاومة، حكاية هذا البلد على امتداد العقود الماضية. وفي هذا السياق تحديداً، خرج رئيس النظام السوري بشار الأسد على اللبنانيين أخيراً ليقول انه يريد لهم رئيساً «ممانعاً»، وانه والأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله في «قارب واحد». فلم يتغير شيء من وجهة نظره، و«القديم على قدمه» كما يقال في الأمثال، لأن لبنان يكون «ممانعاً ومقاوماً» لمصلحة نظام الأسد أو لا يكون، وهو بهذا المعنى عضو في «جبهة المقاومة والممانعة» في المنطقة كلها شاء من شاء وأبى من أبى.

بالنسبة الى حكومة الرئيس سلام التي تم استيلادها بعد مخاض استمر عشرة شهور، لم يختلف الأمر منذ لحظة التكليف، على الرغم من الاجماع المنقطع النظير على شخص سلام. فرفض «المقاومين والممانعين» لتشكيل حكومة غير سياسية كان مطلقاً، تماماً كما كان بالنسبة الى الحكومة الحيادية أو حكومة التكنوقراط، تحت ذريعة أن التحديات اللبنانية سياسية أولاً وقبل كل شيء. ولعل ما شهده صوغ البيان الوزاري من شد وجذب، وحول كلمتي «الدولة» و«المقاومة» تحديداً، يكشف أن الهدف منذ البداية كان ايصال الحكومة الى هذه النقطة: فرض الاعتراف الحكومي بـ«حزب الله» بوصفه «المقاومة» التي ورد ذكرها في ما وصف بـ«الثلاثية الذهبية» (الجيش والشعب والمقاومة) كما حاول الحزب أن يقول على الدوام، بالرغم من اضطراره للتراجع عن ذكر هذه الثلاثية بالحرف في الحكومة الحالية.

«المقاومة»، بالألف واللام كما قال بعضهم، هي «حزب الله» وليس أي شيء آخر. واذا كان لا بد من النص على كلمة «الاحتلال» مقروناً بكلمة مقاومة (مقاومة الاحتلال مثلاً)، فلتكن العبارة على الشكل التالي: «المقاومة للاحتلال» تكريساً للألف واللام… وتالياً للمقاومة باعتبارها «حزب الله» من دون ما عداه.

ونظرة متأنية الى العبارات التي تم تداولها وقوبلت برفض «حزب الله» (حق الدولة وأبنائها في مقاومة الاحتلال، أو حق لبنان واللبنانيين، أو حق الشعب بمرجعية الدولة)، ثم الى العبارة التي وافق عليها الحزب وتم ايرادها في البيان الوزاري تفضح هذه النقطة بالذات. تقول العبارة الأخيرة ما نصه حرفياً: «المقاومة للاحتلال». لكن لماذا ليس «مقاومة الاحتلال» كما تفترض أبسط قواعد اللغة العربية؟ لأن الحزب يفقد بذلك الألف واللام، أي ما عمل على الاختباء خلفه منذ أن توقف عن هذه المهمة في العام 2006، أي صفة «المقاومة»، سواء في ذلك ان كانت قواته تقاتل في شوارع بيروت أو في مدن سوريا وقراها أو ربما في أي مكان آخر في العالم.

أما النص في البيان على «اعلان بعبدا» الذي يدعو الى تحييد لبنان عن المحاور العربية والاقليمية، أو على «مرجعية الدولة» في تحرير الأرض ومقاومة الاعتداءات الاسرائيلية، فكان مرفوضاً منذ البداية أيضاً وأدى في لحظة من اللحظات الى التهديد بخروج الحزب وحلفائه من الحكومة، ولاحقاً الى تلويح الرئيس سلام نفسه بالاستقالة اذا ما بقي الخلاف حول البيان الوزاري على حاله.

ولا يفيد هذا الموقف بدوره سوى التمسك بالنقطة إياها: فرض الاعتراف الرسمي، وان بصورة مواربة، بـ«حزب الله» تحت اللافتة التي يرفعها فوق رأسه، وهو أنه «المقاومة» سواء كان يمارس هذا العمل النبيل أو يقوم بما يتناقض معه تماماً، ليس في مواجهة اسرائيل فقط، وانما ضد الشعبين اللبناني والسوري أيضاً.

والأنكى محاولة بعضهم، بعد الاتفاق على نص البيان وفيه العبارة السابقة، اعطاء الواقعة صفة أن الحزب احتفظ من خلالها بكل ما كانت تعنيه ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة» من دون أي تغيير. فالعبارة بشكلها الكامل نصت على «واجب الدولة وسعيها لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر… والحق للمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الاسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الأراضي المحتلة». وفي تفسيرها يقول هذا البعض ان الدولة في هذا النص تعني الجيش، وان المواطنين اللبنانيين تعني الشعب، فيما تعني المقاومة للاحتلال «حزب الله» من دون غيره… واذاً فالثلاثية التي يتمسك بها لم تكن، ولن تكون يوماً، خشبية بل ذهبية خالصة، شاء من شاء وأبى من أبى!!.

لكن من يخدع «حزب الله» من خلال تلاعبه بالكلمات، ومحاولة التسرب من بين الحروف، على هذا الشكل؟

اذا كان الهدف اقناع ما يصفه بالبيئة الحاضنة، أي الطائفة الشيعية، فليس بين أبنائها من يناقشه في أكثر من مفهوم «المقاومة» التي يعرفون أكثر من غيرهم أنها لم تعد قائمة منذ صدور القرار 1701 في العام 2006، وفي أن ما يقوم به الحزب في سوريا دفاعاً عن حليفه الأسد لا يعني الا الانخراط في منظومة الاستبداد في المنطقة، وبعد ذلك كله في أن «الولي الفقيه» الذي يعتبر نصرالله نفسه جندياً في جيشه لا يهمه من لبنان (بما فيه الطائفة الشيعية) الا أن يكون بيدقاً على رقعة الشطرنج التي يفردها أمام الكبار في العالم استعداداً للربح، ربحه الخاص، كما للخسارة أيضاً، ولكن خسارته وخسارة أدواته كذلك.

واذا كان الهدف مخاطبة اللبنانيين كلهم، والعرب والمسلمين والأحرار في العالم كما يدعي، فهؤلاء جميعاً لم يعودوا في وارد الظن (مجرد الظن) بأن ما يفعله الحزب ينتمي الى أي نوع من المقاومة… لا في لبنان حيث تحول الى «دويلة» أمنية واقتصادية على حساب الدولة، ولا في المنطقة حيث بات أداة في يد ايران ومشروعها المرفوض فيها بشكل كامل، ولا في العالم حيث أصبح على لوائح العديد من الدول فيه للتنظيمات الارهابية.

ما يبقى هو السؤال: هل كسب «حزب الله» شيئاً في البيان الوزاري للحكومة؟

مجرد كلمات يمكنه أن يفسرها كما يشاء، لكنها لا تعني في النهاية شيئاً. فهو في سوريا ليس سوى ميليشيا تدافع عن نظام استبدادي يقتل شعبه من دون رحمة، وبمختلف أنواع الأسلحة المحرمة دولياً منذ أربع سنوات كاملة. وهو في ايران، باعتراف المسؤولين فيها، أداة ايرانية/فارسية/شيعية مزروعة في لبنان وعموم المنطقة وجزء من مشروعهم فيها. وسواء أطلق الحزب على نفسه اسم «مقاومة» أو أي اسم آخر، فلن يغير ذلك في الأمر شيئاً.

… واللعب على الكلمات لم يرق يوماً الى أكثر من كونه تلاعباً على الكلام، وهو ما يعرفه اللبنانيون جيداً!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل