اطمأن اللبنانيون الى مستقبلهم ومستقبل ابنائهم مع إنجاز البيان الوزاري الممسوخ والغامض والملتبس في معانيه، بحيث لا يفهم فيه دور الدولة ودور المقاومة ودور المواطنين. السياسيون في وادٍ واللبنانيون في وادٍ آخر سحيق اسمه طرابلس وعرسال واللبوة، والسيارات المفخخة، والإرهاب المتنقل، والوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي.
نعود الى طرابلس التي تشهد الجولة العشرين من الاشتباكات غير المعروفة الاهداف. والاهداف ليست مهمة للناس، فهم مشاريع شهداء بغير إراداتهم، يسقطون برصاص القنص وهم ذاهبون الى اعمالهم، لا ذنب لهم سوى أنهم من مذهب معين، او يسكنون منطقة معينة.
ولعلَّ الوضع الامني في طرابلس يعيد طرح الأسئلة عن مسؤولية الدولة. فالمدينة ليست منطقة حدودية معرضة للتدخلات الخارجية مثل عرسال وغيرها، وليست عصية على الدولة مثل بعض الهرمل وبعلبك، بل كانت على الدوام العاصمة الثانية للبنان.
لذا يصبح السؤال عن عجز الدولة ضرورياً، بل مشككاً في تواطؤ الدولة أو بعضها في الصراع الدائر هناك، لحسابات بعضها داخلي يرتبط باستحقاقات الرئاسة والنيابة، وبعضها الآخر مرتبط بالوضع الاقليمي والسوري تحديدا، ومعه تتحول المدينة صندوق بريد لتبادل الرسائل.
لكن ثمة حقيقة يجب أن تقال بصوت عال، بل حقائق: ان المتقاتلين في المدينة يتلقون السلاح والمال من جهات عدة معروفة لدى الأجهزة الأمنية على انواعها، والسلاح يُمرَّر عبر طرق شرعية، ويمكن الأجهزة قطع طرق الامدادات أو فضح الممولين والذين يمدون بالسلاح، الا اذا كان ثمة قرار سياسي بابقاء الوضع على ما هو.
اما وقد عجزت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بمن ضمت من وزراء طرابلسيين، عن اتخاذ أي اجراء يحسم الامور في المدينة، فانه لزام على الحكومة الحالية، بوزرائها الطرابلسيين، وبغيرهم ممن يتسلمون حقائب امنية وقضائية، المبادرة الى تدابير استثنائية تعيد الى الدولة هيبتها في الشمال، وتقبض على المتقاتلين والمخلّين بالأمن إلى أي جهة انتموا، فلا تكون الحكومة الجديدة تبديلاً في الوجوه، واستنساخا في العجز.