| رئيس «التيار العوني» يُهادن خصومه ويستبدل خطابه الإستفزازي بمواقف هادئة محاولة لكسب تأييد «المستقبل» للوصول الى الرئاسة والاحتفاظ بالعلاقة مع «حزب الله» أول مؤشرات اللقاء بين الحريري وعون، تنافس على إعلان الترشّح لرئاسة الجمهورية لدى الطامحين في قوى 14 آذار في أكثر من مناسبة |
منذ ما قبل لقائه الشهير بالرئيس سعد الحريري بأسابيع قليلة، بدّل زعيم «التيار العوني» النائب ميشال عون ووزراؤه ونوابه لغة التخاطب السياسي كلياً مع «تيار المستقبل»، ولوحظ بوضوح أن مواقفه أصبحت شبه محايدة من القضايا والمسائل الخلافية المطروحة، أو ملتزماً الصمت تجاهها وفي بعض الأحيان يتجاهلها عن قصد وكأنها لا تعنيه، لا من قريب أو بعيد تحاشياً لإثارة ردود فعل سلبية أو تداعيات، قد تؤثر بشكل أو بآخر على معاودة الحوار بين الطرفين والتأسيس لمرحلة جديدة من العلاقات السياسية بعد فترة طويلة من التأزّم والتباعد بينهما.
وبمقارنة بسيطة بين ما شاب هذه العلاقات المتوترة حتى حدود القطيعة أحياناً بين «تيار المستقبل» و«التيار العوني» منذ عودة النائب ميشال عون من منفاه الباريسي إثر جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في ربيع العام 2005، وما ينتهجه التيار العوني في هذه الأيام، يلاحظ بوضوح مدى التبدّل الحاصل في التعاطي السياسي والمهادنة في المواقف بالنسبة لكل ما هو مطروح في هذه المرحلة، حتى يُخيّل للبعض أن «التيار العوني» قد بدّل بالفعل تحالفاته وإنتقل من تحالف الى آخر توطئة لما يتردد عن طموح يراود زعيمه للحصول على تأييد «تيار المستقبل» لترشحه لانتخابات رئاسة الجمهورية التي أصبحت على الأبواب، لأنه ببساطة هناك صعوبة بالغة لتحقيق ما يطمح إليه طوال حياته بدون هذا التأييد المرتجى.
لا شك ان معاودة الحوار بين الخصمين السابقين على النحو الحاصل وما جرى من تكتم متعمد حول ظروف عقد اللقاء بين الحريري وعون والتساؤلات التي طرحت حول ما تم التفاهم عليه بينهما، باستثناء ما اعلنه زعيم «تيار المستقبل بأن هذا اللقاء ادى الى تسهيل ولادة الحكومة الحالية وتجاوز الصعوبات والعراقيل التي اعترضتها، لا سيما مسألة المداورة في الحقائب التي كان يرفضها التيار العوني كلياً منذ بداية طرحها، فإن مؤثرات هذا اللقاء ومفاعيله ما تزال تتفاعل بين كل الاطراف السياسيين وتحديداً حلفاء «تيار المستقبل» وحلفاء «التيار العوني» على حدٍ سواء، برغم كل التطمينات والشروحات التي قدمت لهؤلاء والتأكيد بان ما حصل لا يتعدى كونه اعادة التواصل بين طرفين اساسيين في التركيبة السياسية القائمة بلبنان، وهذا امر طبيعي وليس مستغرباً على الاطلاق ويأتي في اطار ما يجري في العلاقات السياسية عادة، لانه لا يمكن استمرار التباعد الى ما لا نهاية وخصوصاً في العلاقات السياسية اللبنانية او غيرها، لا سيما وانه برغم الخصومة والتباعد لم تنقطع هذه العلاقات نهائياً وبالكامل، وانما كانت مستمرة في المناسبات الاجتماعية والاعياد لدى الطرفين.
الا ان هذه التطمينات والشروحات التي استهلكت اتصالات مطولة ولقاءات متعددة، لم تبدد التساؤلات والشكوك وبقيت الوساوس والالتباسات تراود عقول الحلفاء لدى الطرفين معاً، انطلاقاً من ان اي تفاهم او اتفاق ما بين الزعيمين قد يؤثر على مصالح ومواقع حلفائهما، وان كان في تحالف قوى 14 آذار مع وجود اكثر من مرشح لانتخابات رئاسة الجمهورية كما هو ظاهر من مواقف وتصريحات هؤلاء، او بالنسبة لتحالف قوى الثامن من آذار وخصوصاً «حزب الله» الذي يخشى من ان ينقلب عليه حليفه الحالي طمعاً بالوصول الى موقع الرئاسة الاولى على ابواب تبدلات وتحولات اقليمية محتملة في حال طرحت اي حلول للازمة السورية في المستقبل او بما يحكى عن احتمال تقدم ما على مسار القضية الفلسطينية.
اولى مؤشرات اللقاء بين الحريري وعون، تنافس على اعلان الترشح لرئاسة الجمهورية لدى الطامحين في قوى 14 آذار في اكثر من مناسبة بمعزل عن التفاهم مع سائر مكونات هذا التحالف وبقرار مشترك يدعم هذا الترشح، في حين بادر زعيم التيار العوني لإعلان موقف مؤيد وبخجل لإدراج موضوع «المقاومة» في البيان الوزاري المختلف عليه لإظهار انه لا يزال ملتزماً بالتحالف مع «حزب الله» في هذه المسألة برغم تقاربه مع زعيم «تيار المستقبل» ولتبديد اي التباس أو تساؤل يساور البعض في الحزب عن احتمال تنكره للتحالف القائم او تبدل موقفه المؤيد للمقاومة جرّاء ما حصل أخيراً او حتى استباقاً لما قد تحمله التطورات الإقليمية والدولية من متغيرات محتملة قد تنعكس بشكل أو بآخر على الواقع اللبناني.
لقد حاول زعيم «التيار العوني» النائب ميشال عون من خلال تبديل سلوكه السياسي الاستفزازي والافترائي الذي امتاز به في السابق ضد «تيار المستقبل» وسعيه لإظهار استقلالية قراره السياسي، كسب تأييد خصمه السابق في الانتخابات الرئاسية المرتقبة، وفي الوقت نفسه عدم خسارة علاقته التحالفية مع «حزب الله» والأكيد على الاحتفاظ بهذه العلاقة والالتزام بتأييد سلاحه ودور المقاومة في كل الظروف برغم تبدّل وجهة هذا السلاح واستعماله في غير موقعه الحقيقي وبعد زوال كل مبررات الاستمرار بوجوده خارج إطار سلطة الدولة وقرارها الشرعي.
ولكن المزاوجة في كسب تأيد «تيار المستقبل» لانتخابات الرئاسة مع الاحتفاظ بالتحالف مع «حزب الله»، تبدو في نظر الكثيرين مستحيلة، ولأن انتخابات رئاسة الجمهورية تخضع لمواصفات ومعايير ومؤثرات تتجاوز حسابات وتوقعات البعض، فان التساؤلات والوساوس التي خيّمت على عقول ومخيلات بعض الحلفاء وخصوصاً في تحالف قوى 14 آذار تبدو مبالغاً فيها وليست واقعية على الإطلاق.