#adsense

جورج حايك مفسّراً الحروب والانسان والله في “عنايا”

حجم الخط

“أن تزور لبنان ولا تحجّ إلى عنايا، كمن يزور الأراضي المقدسة ولا يتبرّك من قبر المسيح، كمن يسافر إلى المملكة الهاشمية الأردنية ولا يحجّ إلى نهر الأردن، ويزور روما ولا يمر بالفاتيكان…

لا فرق بين تلة عنايا وميديغورية وفاطيما وجبل آتوس ولورد وغوادولوبي وأسيزي وصيدنايا وكنيسة القيامة ودير القديسة كاترين وجبل موسى وجبل تابور.

انها أماكن مقدسة مرتبطة مباشرة بالسماء. فحبل الصرّة المقدس أصبح معلّقاً بها بفضل الرب يسوع والسيدة العذراء والقديسين الذين حرصوا بصلواتهم وأعمالهم على ربط هذا الحبل بالسماء على نحو متين. وما ربطوه هم بين الأرض والسماء لا يحلّه انسان، لأن لهم أعطيت مفاتيح ملكوت السماوات”.

هذا ما ورد في مطلع كتاب “عنَّايا” للزميل جورج حايك الذي بات في رصيده 14 كتاباً أبرزها:”وادي قاديشا من الأعماق إلى القمم” و”بشير الجميل تاريخ في رجل” و”القوات اللبنانية في مواجهة التاريخ”و”محابس مارونية جُدرانها ترتفع إلى السماء” و”التأمل من وحي شربل” و”المقاومة في لبنان رأي ورأي آخر” وغيرها.

موضوع الكتاب ليس عجائب القديس شربل تحديداً، وإن كان الحديث عن عنايا لا يكتمل الاّ بالتطرق إلى حياة هذا القديس الذي استطاع أن يفجّر للوجود هذه الطاقة الهائلة من الأيمان ومن الحب والرجاء، لأن عنايا وفق رأي حايك لم تنوجد في لحظة تاريخيّة ما أو مع اعلان قداسة شربل، بل كانت دائماً حاضرة في جلال وهيبة وقداسة، يجتاحها اليباس خلال عصور، ثم ترويها دماء القديسين التي تجري بين عروق صخورها وروحانيتها وسكونها، لتعود اليها الحياة، وتتحوّل مراراً وتكراراً. وليس الأب شربل مخلوف سوى ثمرة في هذا العنقود المقدس، روى بصلواته وتأملاته وانخطافه ومحبّته أرض عنايا، وهي مستمرة على قمة، وجهها من دون تردد صوب الله.

من يقرأ الكتاب يلاحظ أن حايك لم يقف في رحلاته إلى عنايا عند حقبة معيّنة، بل كان يعود إلى بدايات الانسانية- المسيحية، والتحوّلات من الوثنية إلى الدين السماوي، وكان يسرع في التنقّل في هذه الأرض ليحطّ في الحاضر ويقفز إلى المستقبل، كما يفعل عادة كتّاب الخيال العلمي. لكن في الواقع، لا الخيال ولا العلم كانا يشبعانه، انما فقط ذلك اللقاح الروحي من عنايا.

بين وقائع تاريخيّة وخيال روائي، يجد القارئ نفسه بين شخصيات واقعية وأشخاص وهميين، ربما يمكن الالتقاء بمن يشبههم. وليست حكاية المقاتل الياس سوى تجسيد لأنماط رفاق عرفهم حايك واستمع إلى شهادات عن نضالهم وتضحياتهم في الحرب وزياراتهم إلى محبسة عنايا في لحظات قاتمة، وانبعاثات الروح التي تغيّرت داخل صخور قلوبهم المتجمّدة خلال الحروب، إلى وقائع من دون اسماء وتواريخ حقيقية.

عنايا في زمن الحرب، وليس أي حرب، انها حرب الالغاء بين المسيحيين بكامل عنفها وقساوتها وعبثيّتها ووقاحتها.

كيف يجرؤ مقاتل امتهن لغة الحرب والحديد والنار أن يعتمد خيار عنايا؟ وكيف يواجه احتمالات أن تقف فتتحداه في خيارات جذرية أخرى، فيما ضجيج القذائف والرصاص والصواريخ وولولة الأمهات وأنين الجرحى ودماء القتلى، يقلق مسامع روحه؟

المقاتل الياس ليس وحيداً، بل سيخاطبنا الكاتب جورج حايك من خلال عنايا جميعاً، يومياً، ويلامس حروبنا الخارجية والداخلية، في ظل ضجيج يلفتنا، ربما اعتدنا عليه، بتنا نحبّه، نرغب فيه. نخاف العزلة، نتحاشى الصمت، نسعى إلى الرفقة دوماً، ولو سيئة احياناً. العزلة أخافت الياس، كما تخيفنا اليوم، والصمت كان يقلقه، يذكّره بالموت.

المقاتل الياس انتقل، في محبسة عنايا، ومن خلال مخطوطة قديمة للحبيس انطونيوس بعنوان:”عنايا منذ فجر المسيحية”، من حرب خارجية كان أحد ابطالها وصنّاعها وضحاياها، إلى حرب داخلية اكتشف فيها ان القتال أشرس وأكثر ضراوة على ساحة “نفسه” بين الله والشرير.

في تلك المحبسة الرابضة فوق جبل منذ أزل المسيحية، خاض الياس تجربة ايمان. كان يقرأ مخطوطة بونا أنطونيوس وينتقل من حكاية إلى حكاية عن عنايا عبر التاريخ، باحثاً فيها عن رسائل الله على جبل التجلّي، مطارداً الحقيقة بلا هوادة، مفسّراً الله هنا في عنايا.

صفحات الكتاب صدى لما عاشه المسيحيون في هذا الجبل وفي الجبال المجاورة، من بطولات وتضحيات وقداسة، وهم الشاهدون والشهداء.

عنايا، بعد هذا الكتاب، لن تنتهي. هي باقية بشتى الأشكال، رغم العالم المتخبّط في المادة والاقتتال الطائفي والمذهبي والكذب والرياء والكراهية والحقد والتصنّع، وها نحن اليوم أمام أمل جديد نكتبه ونعيشه بكامل وعينا، وإن لم يعه البعض. هذا الأمل هو عنايا نفسها، التي تحثّنا كل يوم على الصلاة والتوبة والصوم والتقشّف والحب الحقيقي والقداسة والاستسلام لمشيئة الله والسلام والمصالحة مع الله والبشر.

من هنا تبدأ الحكاية…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل