بل انّ عبثية استذكار المشترك القرمي – الشامي اليوم تقل أكثر عند التنبه الى انّ النظام الدوليّ الذي برزت محدداته الرئيسية في نهايات الحرب العالمية الثانية، بدءاً من مؤتمر يالطا في شباط ، وعلى أرض القرم نفسها، يقترب من لحظة تعطّله النهائية، وانّ المسألتين السورية والقرمية تتكاملان من هذا الجانب. فعلى الأرض السورية، ثمّة نظام فئوي دمويّ مدعوم من موسكو، ويشن، الى جانب مرتزقة له من البلدان المجاورة، حرباً ضد النسيج الأكثري، السني، من المجتمع السوري. هذا في وقت يمكن أن يبرز تاريخ القرم كتجربة حيّة ترصد تحول الأكثرية التتارية، المسلمة السنّية، الى أقلية، وايثار الأكثرية الروسية ذات الجذر الاستيطاني، تحويل «الرصيد السياسي» للجمهورية ذات الحكم الذاتي، من اوكرانيا الى روسيا الاتحادية، باستفتاء تفرّد به القوم الروسي دون القوم التتاري والأوكراني.
ولو ان فلاديمير بوتين تريّث في إبداء الرأي في طلب روس القرم للاندماج في الاتحاد الروسيّ لكانت هذه الجمهورية دخلت في نطاق كوكبة من الجمهوريات المعلنة من جانب أحادي والتي تعترف بها موسكو يكاد يكون وحدها، رسمياً، كما في حال اوسيتيا الجنوبية وابخازيا، أو ضمنياً، كما في حال ترنسينستريا. هذه الطفرة من الجمهوريات المعلنة من جانب أحادي، وكانت بينها ذات يوم جمهورية «كرايينا» التي أقامها صرب كرواتيا قبل احباطها، انما شكّلت في السنوات السابقة شاهداً أساسياً على تعطّل النظام الدولي، ما دامت هناك «دول» خارجه، معترفاً بها من دولة عظمى دائمة العضوية في مجلس الأمن يكاد يكون لوحدها (أو مع تنويعات هزلية كاعتراف فنزويلا بانفصال ابخازيا). من هذه الناحية، كان يمكن لفلاديمير بوتين ان يضم جمهورية القرم المنفصلة عن اوكرانيا الى كوكبة «جمهوريات القضايا العالقة»، شأنها في ذلك شأن اوسيتيا الجنوبية وابخازيا وترنسينستريا. ويضاف كوسوفو بحكم الأمر الواقع، نظراً للفيتو الصيني والروسي الذي يحول دون الاعتراف الدولي باستقلالها. لكن بوتين أراد أكثر من ذلك، فمن خلال «الأنشلوس بداعي التحوط الاستباقي من الخطر النازي الجديد»، وابتلاعه القرم، خاطر باطلاق رصاصة الرحمة على النظام الدولي ككل، كما أرسي ابتداء من قمّة يالطا، وليس فقط على النظام الدولي كما انعدم توازنه تماماً بعد نهاية الحرب الباردة.
بالتوازي، يتحوّل النظام الأسدي أكثر فأكثر الى حالة أخرى من «الجمهوريات المعلنة بشكل أحادي»، أو قل أنّ ثمة نوعاً من «جمهورية غير معلنة رسمياً»، تربط بين شبكة هذا النظام وبين شبكة «حزب الله» في لبنان، والبعض يطلق عليها، هذياناً، لقب دولة «المشرق». ويمكن أيضاً اضافة دولة «داعش» لتتوسع كوكبة «الدول الجديدة» المعلنة هنا وهناك والتي لا أصل لها في منظومة «المجتمع الدولي».