إنَّ أولَ انطباعٍ يخرج به المطلعُ على نص البيان الوزاري لحكومة تمام سلام هو أنها تغالي في توسيع مهامها وكأنها باقيةٌ لسنوات. فكيف لحكومةٍ عمرُها المبدئيّ شهران وأسبوعٌ واحد ووظيفتُها الأساسية التحضيرُ لانتخابات الرئاسة أن تطمحَ الى حلحلة العُقد السياسية والأمنية والمعيشية والدستورية المتراكمة منذ عقود، وليس أقلُّها إقرار قانون الإنتخابات النيابية وانجاز قانون اللامركزية الإدارية وقانون ضمان الشيخوخة وقانون سلسلة الرتب والرواتب، وتنفيذ مقررات جلسات الحوار السابقة وتنفيذ بنود القرار الأممي رقم 1701، وتحريك القطاعات الإقتصادية وفي مقدمها القطاع السياحي، وترسيم الحدود البحرية وحل أزمة الطاقة، وملء الشواغر في ملاكات الدولة، وحل ملف النازحين السوريين…؟
إنَّ المُتابعَ لولادة البيان الوزاري ولما ورد في متنِه، يَلفُتُه توسُّلُه بلاغةَ اللغة العربية وقدراتِها التعبيرية للجمع بين المُتناقضات. فيما الجميعُ يعلمُ أن الصيغ اللغوية ما هي الا مساحيق تجميل تخفي ما تخفيه من أحافير وأخاديد الخلافات السياسية العميقة. ففيما يُحاول تيار المستقبل وبعض 14 آذار كبحَ جَماحِ حزب الله، يستفيدُ هذا الأخير من غَطاءِ ألدِّ أخصامِه على المستويات الأمنية والسياسية من دون أن يخسر أياً من مُكتسباته. في المقابل يتنازلُ الرئيسُ عن تمسكِه بذكر إعلان بعبدا صراحةً في البيان الوزاري في مقابل فوز الحكومة التي سيسلِّمها الأمانة بالثقة في ما لو لم تحصل الإنتخابات الرئاسية في موعدها، ويقبل رئيسُ الحكومة، يحدوه هاجس التوافق، بتدوير الزوايا عبر مخارجَ لغوية تُنتجُ مفعولاً معاكساً في بعض الأحيان كمثل تعميم حق المقاومة لاسترجاع الأرض المحتلة على المواطنين بدل انتزاعه من حزب الله وحصره بالدولة وحدها.
لكنْ ما لم تقلْه ُالفذلكاتُ اللغوية للبيان الوزاري هو كيف ستتصرف الحكومة التي تشدد على مرجعية الدولة الحصرية في القضايا المتصلة بالسياسة العامة للبلاد حيالَ تفرُّد حزب الله بقرارات الحرب والسلم؟ وكيف ستحمي الحكومةُ حدودَ لبنان وتضبطُها بوجود أطراف حكومية ترفض ذلك، وكيف ستُثَـبِّتُ الأمنَ بوجود البؤَرِ الأمنيةِ العَصِيَّة على الدولة؟ وكيف ستترجمُ سياسةَ النأيِ بالنفس عن تداعياتِ الأزْمَات المُجاورة فيما غيرُ فريقٍ من اللبنانيِّين مُنغَمِسٌ فيها حتى أُذنيه؟!