إلى جنابك هذه الأحجية:
بلد لا هو دولة ولا هو وطن، ليس مستقلاً ولا محتلاً، لا حدود له ولا سيادة، أجواؤه مُغلقة أمام الطائرات السياحية ومفتوحة أمام الحربية، ضحاياه على أرضه ومحاكمه في”الأراضي الواطئة”، مختلف على موضع أل التعريف في صياغة التاريخ، ومصرّ على صياغة الحاضر بلغة “الليغو”.
لا، لم ننتهِ بعد. أمضى عشرة أشهر من دون حكومة، ويصرّ على العثور على رئيس للجمهورية، من دون التقديم لذلك بأن يعثر للجمهورية على مواطنين. انتهت؟ لا. في هذا البلد معركة على رئاسة الجمهورية ولكن ليس فيها مرشحون. هناك إيماءات على طريقة الراحل مارسيل مارسو. المرشّح لا يُعلن شيئاً بل يُومأ إليه، وعليك أنت أن تقرأ في نيّاته. وإذا قرأتها، يبقى أن تقرأ برنامجه السياسي والوطني. وعلى ماذا هو مبني: على التجارب الماضية أم على بطولات المستقبل؟ أي نموذج يريد أن يطرح عليك؟
تذكر رائعة إيليا أبو ماضي، صفّيف الأحرف الذي صار أعذبَ شعراء المهجر: أأنا سائر في الدرب أم الدرب يسير؟ لست أدري. تأمّل جيداً في نفسك. أنت تتأمّل دائماً جارك وصديقك وخصمك. هذا خطأ أصلي. جميع الأنبياء والمبشّرين والمصلحين والمعلمين، طلبوا منك أن تعرف نفسك. لأنك في النهاية سوف تقف في مواجهتها. هل يليق بك أن تكون النماذج السياسية محدودة إلى هذه الدرجة؟ أن يكون فؤاد شهاب وحده حفظ توازن البلد، ووحده ارتبط اسمه بإقامة المؤسسات؟ هل يُعقل أن ريمون إده هو النائب الوحيد الذي رفض الوزارة على أساس “اتفاق القاهرة” لأنه أدرك أن لا عودة للبنان إلى الحياة الطبيعية وقد فقد حقه في الاستقلال وقَبِل الشركة في القرار والسيادة؟
كانت هناك “أسباب موجبة” للتخلّي. فهل أدّى التخلّي إلى حماية لبنان من 15 سنة حرباً و200 ألف قتيل؟ المساومة على الكرامة تحوّل الدولة إلى سوق. لعلّك فهمت ما أعني! تذكّر إيماءات مارسيل مارسو.
إذا أردت أن تعرف عمق ما أنت فيه، انظر إلى فرحك يوم أمطرت أخيراً في آذار. مطرَة في حجم عقد من العمل السياسي. جرّدوك من كل أسباب الفرح وطمروك بكل دواعي اليأس وحوَّلوك إلى كائن يفرح بمرأى الثلوج وصوت المطر. أليس هذا بلد الجبال والأنهر، من هنا حتى بحر العرب؟ اللعنة على القلّة. درّبوك ودجّنوك على ألا تنتظر شيئاً، فإذا أمطرَت في آذار بدَت الزخّة مهرجاناً ومشهد الزحمة والغرق المعهود بهجة الأيام.
الفرح الجماعي بمطر آذار دليل عفوي على نجاح عملية الترويض. في البداية تضع سلسلة طويلة من المطالب: أريد وطناً عزيزاً. وأريد دولة كريمة. وأريد قانوناً عاماً. وأريد إدارة رسمية عالية وأريد تنمية ومستقبلاً وأمناً وحياةً لائقة، وإلى آخره… وعندما تمضي العمر ولم يتحقق شيء من بداهة الشعوب والأمم، تجد نفسك مهللاً إذا جاد آذار بالغيث إذا الغيث هما.
كنا قد اتفقنا على أن نبكي الأندلس. وبيني وبينك، تستحق كل دموع العصور. وقفة على تلة في قرطبة أو جلسة على مقعد في حدائق إشبيلية، وتعرف ما أعني. علّمنا السابقون، مشكورين، أن حروب الطوائف والممالك والمسالك، ليست طبعاً عربياً بل ظاهرة عابرة. وقالوا لنا ما معناه أن ما بدأ بالمعلّقات لن يبقى في البكائيات.
هكذا قالوا. ماذا يقول عرب اليوم؟ يحذِّرنا الأخضر الإبرهيمي كلما ذهب إلى سوريا وعاد، من صومال أخرى. وبلاد المنّ والسلوى والترياق المعروفة بالعراق، على وشك أن تصبح صومالاً. واليمن القريبة من القرى الأفريقية وجارَة مقديشو، مُقبلة هي أيضاً. وماذا عن ليبيا؟ أرجوك لا تَسَل. فلنبقَ في الصومال. في مقديشو.
عُد إلى اللبننة. لقد صمدنا على الأقل في وجه الانهيار التام. بدأ كل شيء هنا. لذلك، يسمّي بسطاء القرى كل هذا “لعنة لبنان”. صيف 1975 اشتعلت الحرائق “الغامضة” في كل مكان، وفجأة، هبط المطر في تموز. فقالت عمتي الخائفة: “هذه بَرَكة لبنان”. لكانت اليوم تقول ذلك في النصف الأول من آذار، تالي شباط، تالي كوانين، تالي تشارين. جميع أسباط المطر. فرحة آذار الكبرى: مطر وبيان وزاري بعد عام من المماحكة.
كانت حياة مارغريت دوراس أحفَل من رواياتها. وُلدت ونشأَت في الهند الصينية، كما كان كتّاب بريطانيا يُولدون وينشأون في الهند الأصلية. يتيمة الأب، وأمها تمارس مهنة محتَقَرة في الوسط الكولونيالي. والأم تريد رفع العائلة بأي طريقة إلى الوسط الأعلى. رهنت راتبها الضئيل كمعلمة واشترت حقلاً لزرع الأرز وراحت تحلم بالحصاد. هجم البحر على الحقل وحوّل كل شيء إلى ملح. وعندما أمطرت على جزء منه في الموسم التالي رقصت الأم طرباً. وسط هذا الجُرد المالح، خُضرة من مطر آذار. الفرح يطلّ خائفاً من بين أنياب السياسة.
تبني إسرائيل مستوطنات لثلاثمئة ألف ثم تُعلن تخلّيها عن مشروع لعشرة منازل. هذه قاعدة قديمة لنشر الرحمة والفرح: يأتي العفو العام فيُستبدل حكم الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبّدة. إلا إذا كان المحكوم هو البلد نفسه، حيث يُرمى بالرصاص أربعة قضاة وهُم على القوس. والتحريات جارية. وهناك من يصرّ على أنه ينتظر نتائج التحقيق. أين؟ في البلد الذي يسمح لك أن تعرف المخطوف من غير أن تعرف الخاطف. وكما تدّعي على مجهول، هكذا عليك أيضاً أن تتقدّم بالشكر إلى مجهول. الخبرة جزء من المعرفة، أي من الدرس.
إذا لم يكن هناك مرشحون للرئاسة، كيف يمكنك أن تُدلي بصوتك؟ طبعاً صوتك ليس مهماً، ليس لأنك لا تنتخب، بل لأنك من دون مروءة (بلا مْرُوِّي) وإلا لكان صوتك أقوى من جميع الأمم. تذكر – أجل أنت، تذكر – أنه كان عندك فؤاد شهاب واحد وريمون إده واحد. الأول نفيته – باسم سيدة حريصا – إلى منزل أمامه “كابيلا” في عجلتون، والثاني إلى 50 متراً مربعاً في باريس. وما كفاك. رحت تبرّر لنفسك هنا، الأسباب الوطنية الموجبة، التي تجعلك تابعاَ للميليشيات والزُمر والفلسفة القبابطية. أي التنقل من خانة إلى خانة ومن قبّان إلى قبّان. بَيع على شراء.
جميع الذين باعوك واشتروك أفهموك أنه اقتضاء المصلحة الوطنية. كل من قبَض ثمناً من عمرك وطمأنينتك ومستقبل أبنائك، مشيتَ خلْفَه، يُعطيك كذباً وتمنحه رياء. ومثل هذا الطريق يؤدّي دائماً إلى مثل هذه الحال.
لا يزال ممكناً لنا أن نحلم. وسوف نحلم. الآن وقد أوشك على الانتهاء عهد اتسم بالخُلق والتعقّل والروح الدستورية الرفيعة، على رغم ما بُودِئَ به وما حوصِرَ وما افتُريَ عليه، كما يفعل الموارنة بكل رئيس، فإننا نحلم بفؤاد شهاب آخر. قوّته في أن يعتبره المسلمون، قبل المسيحيين، رئيساً لهم. رجل حكمة وديبلوماسية ورؤية ووفاق. حزبه كل لبنان، وحليفه جميع العرب، وأفُقه حُسن العلاقة مع سائر الأمم. لا هو غريب في جونيه ولا هو طارئ في دمشق ولا هو مستجدّ في القاهرة.
رئيس يستدرك الشطَط المتمادي الذي فاقَمه علينا السياسيون. ويستردّ البلد من وادي الفرقة وعَويل الانقسام. وينأى عن أوبئة سوريا من غير أن ينأى عن جراحها. رئيس، حربه الوحيدة في الحياة، الألفة والوحدة وأن لبنان مقرّ العروبة لا ممرّها. رجل من حواريي فؤاد شهاب وتقي الدين الصلح وحالمي بشارة الخوري.
نريد البقاء واحة هذا الشرق مهما تعثَّر. وسُوره مهما اندثر. عندما ألقى الرئيس ميشال سليمان خطاب القسَم كنا نعرف أنه يرسم أحلاماً صعبة. لكنه عمل في سبيلها في أي حال. وتعامَل مع الرئاسة والدستور والقانون وكأنه في بلد بلا عقبات. وأبقى بعبدا خارج النزاعات في بلد قائم على الزلازل، عائم على اللُّجة، وكان يُهاجَم ويُنتقَد دوماً بما هو رأس ماله الدستوري الأول، أي أنه بلا حزب أو حاشية أو جبهة منافع ومواقع.
قال صحافي أميركا الأول، والتر ليبمان (1915)، عندما يُعلن رجل السياسة برنامجه ونيّاته فإن إعلانها يهذِّبه. لا يستطيع أن يكون فظاً أو عدائياً أو ازدرائياً. على بُعد شهرين من أيار، لم يطلّ على الجمهورية مرشّح واحد. ماذا تعرضون على بلدكم أيها السادة؟ ماذا تمثلون ومَن؟ قال أحد أصحاب الزواريب خلال الحرب لتقي الدين الصلح: “نحن نمثّل المقاتلين فمن تمثّل أنت؟”. أجاب تقي بك: “يا ابني أنا أمثّل المقتولين”.
الأكثرية التي تريد حياة لائقة وعيشاً كريماً. الناس الذين لا يطلبون أكثر من الكهرباء. الشعب الذي صارت فرحته الكبرى أنها هطلت في آذار وابيضّ صنين، ومَن يدري فقد يُشار إليه من جديد على أنه “بلد الأرز” كما سمّاه لامارتين.
هل قلنا نريد؟ لا، لا نجرؤ على ذلك. قُلنا نحلم. الذين يريدون غير الذين يحلمون. نحن أضْنَتنا الكوابيس منذ أربعين عاماً. ونرجو ألا يقبضوا على أحلامنا أيضاً. هناك أمهات كثيرات يصلّين: إذا كان الاستقلال صعباً، فالرحمة، على الأقل.