قراءة في البيان الوزاري لحكومة تمام سلام

ذابت «المقاومة» في بيان وزاري لحكومة لبنانية جديدة. انه بيان يستطيع كلّ طرف قراءته على طريقته. ولكن يبقى أن البيان، بيان حكومة تمّام سلام، يتضمن ايجابيات عدة في مقدّمها التخلص من صيغة «الجيش والشعب والمقاومة».

لم تكن تلك الصيغة سوى نسخة معدّلة لاتفاق القاهرة الموقع بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1969، مع فارق يتمثّل في حلول السلاح السوري والايراني، الايراني أوّلاً، مكان السلاح الفلسطيني.

اضافة الى التشديد على القرار الرقم 1701 واعلان لبنان مرّة اخرى «الالتزام الكامل» به، هناك للمرة الأولى منذ العام 2000، تاريخ الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب، تأكيد لمرجعية الدولة اللبنانية. هناك ذكر للدولة اللبنانية بصفة كونها صاحبة الحق في تحرير الاراضي اللبنانية المحتلة، أي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من الغجر.

لم يستجب البيان الوزاري لصيغة طرحها رئيس مجلس النوّاب الرئيس نبيه برّي كانت تشير الى اعتماد الدولة اللبنانية على «الوسائل المتاحة» لتحرير الأرض. كانت تلك الصيغة طريقة لايجاد غطاء، بطريقة أو بأخرى، للسلاح غير الشرعي لـ»حزب الله» الذي ليس في نهاية المطاف سوى لواء في «الحرس الثوري» الايراني يتصرّف بعناصره اللبنانية وفق ما تمليه عليه طهران التي لا ترى في لبنان سوى ورقة بين أوراق عدّة صالحة للاستخدام والتوظيف في خدمة مصالحها.

يستعيد لبنان سيادته وقراره الوطني خطوة خطوة. لا شكّ أن البيان الوزاري لحكومة «المصلحة الوطنية» ليس واضحا ما فيه الكفاية. هناك اعتراضات على بعض النقاط. لكنّه يظل أفضل من بيان الحكومات السابقة، خصوصا حكومة «حزب الله» التي كانت برئاسة نجيب ميقاتي. شكّلت تلك الحكومة التي فرضها سلاح «حزب الله»، الموجه الى صدور اللبنانيين العزّل، ذروة الانصياع للمطالب الايرانية ولكلّ ما يطمح اليه النظام السوري في الوقت ذاته، على حساب كلّ ما له علاقة بكرامة اللبنانيين، خصوصا أهل السنّة والمسيحيين.

هل يعني البيان الوزاري شيئا باستثناء تاكيده رغبة اللبنانيين في التخلّص من السلاح الميليشيوي لحزب مذهبي مرجعيته غير لبنانية؟ قد لا يستجيب كلّيا لطموحات اللبنانيين في وقت يركّز «حزب الله» على تحرير القدس عن طريق يبرود بعدما تبيّن أن الاولوية بالنسبة اليه ولغيره من هذا النوع من الاحزاب هو الانتماء المذهبي. في النهاية، لا يمكن ليبرود الّا ان تاخذ الحزب الى بلدة أو مدينة سورية أخرى، تماما كما أخذته القصير الى يبرود…

لن يقود تحرير يبرود الى القدس أو لشيء من هذا القبيل. مثل هذا النوع من»التحرير» لا يقود سوى الى التغوّل أكثر في دماء لشعب السوري. وهذا ليس في مصلحة لبنان واللبنانيين أو سوريا والسوريين.

يستطيع «حزب الله» استخدام البيان الوزاري لتأكيد أن هناك كلمات وردت في النص تخدم سلاحه الموجه الى صدور اللبنانيين قبل السوريين. هذا السلاح هو الذي يمنع وجود حياة سياسية طبيعية في لبنان. هذا السلاح الذي يمنع العرب من المجيء الى لبنان والاستثمار فيه. هذا السلاح الذي ينشر البؤس في بيروت وفي كلّ مدينة وبلدة وقرية لبنانية ويهجّر معظم الشباب اللبناني.

بعض الجرأة أكثر من ضروري. التضحية بشبان لبنانيين من خيرة شبّان البلد ليس شجاعة. تكمن الشجاعة في الاعتراف بأن الانتصار الذي تحقّق في يبرود ليس سوى وهم. تقضي الشجاعة بالاقتداء بالشجعان. فقد امتلك الرئيس سعد الحريري ما يكفي من الجرأة والشجاعة وقبل الجلوس مع «حزب الله» في حكومة واحدة على الرغم من أنه يعرف تماما من قتل والده. قدّم المصلحة الوطنية على كلّ ما عداها. انه يدرك تماما ما على المحكّ حاليا وأن المطلوب اليوم قبل غد الحدّ من الاضرار التي يمكن أن تلحق بلبنان جراء استمرار الوضع السوري على حاله.

كيف العمل على تحصين لبنان؟ يفترض في «حزب الله» أن يطرح على نفسه هذا السؤال بدل التباهي بادخال كلمة «مقاومة» في البيان الوزاري، خصوصا أنه يعرف قبل غيره أن كلّ شيء انتهى بعد «الانتصار المجيد» الذي حققه في حرب صيف العام 2006 والذي توّج بصدور القرار 1701. من يقرأ نص القرار، الذي وافق «حزب الله» على كلّ حرف فيه، نظرا الى حاجته وقتذاك الى وقف للنار، يعرف جيّدا أن الوجود المسلّح لقوى غير نظامية لبنانية في المنطقة التي تشكّل مسرح عمليات القوة الدولية، يصبّ في غير مصلحة لبنان. انه يصبّ بكل بساطة في ابقاء الجنوب جرحا ينزف خدمة لأولئك الذين ابتدعوا صيغة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بعد الانسحاب الاسرائيلي في السنة 2000 من أجل ابقاء لبنان ورقة ايرانية- سورية وأهل الجنوب رهينة لدى «حزب الله».

كان ذلك ارتكابا لا يخدم في نهاية المطاف سوى اسرائيل التي لم تعترض يوما على غياب الجيش اللبناني عن جنوب لبنان وذلك منذ ما قبل نشوء «حزب الله». كان ذلك أيضا ارتكابا لمصلحة النظام السوري الذي لم يكن لديه من هدف سوى المتاجرة بالجنوب اللبناني وأهله والتأكّيد في الوقت ذاته على أن جبهة الجولان المحتل مغلقة باحكام. أخيرا كان هذا الارتكاب طموحا ايرانيا نظرا الى أن هذا البلد الذي يعتبر نفسه قوّة اقليمية يريد ايجاد خط تماس بينه وبين اسرائيل يعقد من خلاله صفقات مع «الشيطان الاكبر» الاميركي و»الشيطان الاصغر» الاسرائيلي على حساب لبنان واللبنانيين.

ليس البيان الوزاري سوى خطوة متواضعة على طريق استعادة لبنان قراره. انه أفضل من لا شيء. لكنّه يؤكّد أن المقاومة اللبنانية مستمرّة وأن ثقافة الحياة لا يمكن الا أن تنتصر على ثقافة الموت التي ترى في الانتصار على يبرود وقتل السوريين بديلا من الانتصار على اسرائيل وفي افقار لبنان وتعطيل الحياة السياسية والاقتصادية فيه «ممانعة»، نعم «ممانعة»!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل