في لحظةِ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 أيار (مايو) 2000 بدا حـــزب الله يتربعُ على قمةٍ تحلّق به فوق تحفظ المَلكيّات وقلق الجمهوريّات. ظهر ممسكاً بشكل حصريّ بمفترق تاريخي كبير، وأطلّ منتعشاً بامتــداد شعبيته وحضوره من زوايا الجنوب ودروب الضاحية إلى الساحات والميادين في المنطقة من محيطها إلى خليجها.
في تلك اللحظة استقالت حدود سايكس بيكو واختفت خنادقُ المذهبية الكامنة وتمددت أجزاء المنطقة جسداً واحداً لم يحلم بوحدة منذ زوال السلطنة. في تلك اللحظة ارتفعت صور السيَد حسن نصر الله في شوارع الرباط وساحات القاهرة كما في حواضر اليمن. في تلك اللحظة صمت اللبنانيون احتراماً لضجيج النصر النادر، ثم صدّقوا أن النصرَ نصرُهم وراحوا يمارسون طقوس الفرح.
هي لحظة! بعدها بلحظة تكشّف المشهد، ثم استمر بخلع أقنعته المسرحية يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة، إلى أن تعرى البطل وانتهى العرض وأُسدل الستار.
في يوم النصر دمعت عيون كل المقاومين القدامى في جنوب لبنان منذ الأيام الأولى لاختراق الجيش الإسرائيلي الحدود اللبنانية. بكى مقاتلون فلسطينيون وعرب وأجانب لطالما عرفوا قرى المنطقة ووهادها وخاضوا المعارك في قممها ووديانها. فرح اللبنانيون جميعاً بهذا النصر، واعتبر الجميع أن حزب الله أكمل ما باشره آخرون قبله بعقود، حين كان المقاتلون يتوافدون من زوايا لبنان الأربع، وكانت كل الطوائف تقذف بأولادها في الأتون الجنوبي لمقاتلة المحتل.
هي لحظة! بعدها بدا أن النصر دشَن عصراً مربكاً للبنان واللبنانيين. بدا أن النصر نصرُ الحزب والطائفة وأنه نصرٌ على لبنان واللبنانيين والفكرة اللبنانية. وما كان إرباكاً تحوّل إلى انهيار منذ اغتيال الرئيس رفيق الحــــريري وانتهى إلى كارثة حرب عام 2006.
انقسم اللبنانيون حول تقييم تلك الحرب بين من اعتبرها «نصراً إلهياً»، وبين من رأى فيــها وبالاً جديداً على البلد. في المحصلة انتهت إسرائيل، من خلال لجنة فينوغراد، إلى استخلاص العِبَر من تلك الحرب، فيما دخل لبـــنان ما يشبه الحرب الأهلية في ما كرسته «غزوة» أيار 2008. منذ ذلك «النصر» انهزمت لحمة البلد وتكسّرت قواسم العيش فيه وتقوّضت علاقة الناس بدولتهم.
تجاوز حزب الله هذا الجدل، وذهب منذ اندلاع المواجهات في سورية إلى عبثيّة نقلته من قممِ النصر في 2000 إلى حضيضٍ تتنصلُ منه الجهات والوجهات. لم تعدْ إسرائيل عدواً رئيسياً، تحوّلت البنادق باتجاه الداخل، سواء كان هذا الداخل في الربوع اللبنانية أو البوادي السورية. لم تعدْ أدبياتُ الحزب تتحدثُ عن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، لم تعدْ العلاقة مع الممانعة الحمساوية في غزة خياراً استراتيجياً. غابت إلى الأبد مقولة «ما بعد حيفا».
سقط، عن سابق إصرار وتصميم، خطابُ الحزب العابر للحدود. ولجت «المقاومة»، عن سابق إصرار وتصميم، عصر الثرثرات العابرة للزواريب. هكذا ينتهي حزب الانتصار الكبير إلى دور ميليشياوي يتدارى به داخل الطائفة فيزوّدها بالجثامين ضريبة لازمة لزوم التصاقها بالحزب. من أجل الزواريب يُسقطُ الحزبُ ثلاثيته الذهبية من بيان الحكومة الجديدة. تصبح المقاومة استطراداً لغوياً يجوزُ في الكسر، ويرضى الحزب بما تيسّر للحفاظ على مكانه داخل المؤسسات الدستورية في لبنان.
تفرحُ الضاحية بسقوط يبرود السورية. قيل لها إن الويلات التي نالت منها أتت من المدينة القلمونية. لم تأبه لمن همس لها أن الخوف الذي سكنها نتاج خوف بثّه الحزب في مدن السوريين. لا تفرحُ الطائفة فذلك ليس من شيمها السابقة على ولادة الحزب، وحتى على ولادة الجمهورية الإسلامية في إيران. لا تفرح الطائفة، لكن هناك من يريدها أن تفرح لـ «انتصارات» الحزب. ففي فرح «جمهور المقاومة» يقول الحزب من جديد: ها أنا أتيتكم بنصر جديد.
أُريد للفرح أن يظهرَ مدوّياً في الإعلام. بدت الشماتة استدراجاً قد ترد عليه طوائف أخرى بشماتة مضادة. مقابل يبرود تتجوّل سيارات الموت وتنشط بيانات الجماعات التي لطالما شُكك في مصداقيتها ولطالما اعتُبِرت اختراعاً تحركه أجهزة قد لا يكون الحزب ذاته بعيداً عنها. هكذا يحتمي العبث خلف المذاهب، هكذا حين تنفذ حجج العقل يتم استدعاء حكايات الماضي منذ صفين وكربلاء والجمل.
شاء لبنان الرسمي أم أبى فإنه متورطٌ في الوحول السورية. في حكومته (الجامعة هذه المرة) من يجاهرُ بالانخراط العسكري المباشر لصالح النظام في دمشق. وفي حكومته من يفرح لسقوط يبرود السوية ملوّحاً لعرسال اللبنانية بذلك المصير. وفي حكومته من يتحفظ عن ديباجات نصيّة، فيما الحزب يعمل خارج كل النصوص. لا ينأى لبنان بنفسه عن حدث يبرود وأحداث سورية أخرى مقبلة. الحرب السوريّة باتت في حضن البلد، في فرح الشامتين داخل المواكب السيارة في الشوارع، أو حول طاولة الحكومة المجتمعة تحت سقف البيان المدبج.
يوماً ما ستجدُ الأزمة السورية خاتمة. سيصل السوريون إلى التسوية التاريخية التي خبرتها أممٌ أخرى. سيلتقي السنَّة والعلويون وبقيّة مكونات البلد حول عقد اجتماعي ما. سيعودُ السوريون للتساكن سوياً ويتذكرون عقوداً تعايشوا داخلها وتقاسموا فيها الحكايات. حين تنتهي المأساة سيتبادل السوريون القصص عن المرتزقات التي عملت في بلادهم لصالح هذا ولصالح ذاك. سيتشاركون في طرد الكوابيس من ذاكرتهم وينتشون بخروج الأورام من بلادهم. سيرممون ما انكسر ويستعيدون الفرح.