#adsense

الحصار .. تطويع أم تجويع؟

حجم الخط

يبدو أن معركة يبرود التي حسمها «حزب الله» عسكرياً لمصلحته، في مواجهة غير متكافئة عديداً وعتاداً، لن تتوقف عند هذا الحدّ، فهي مستمرة في أكثر من ميدان سواء في الداخل السوري باتجاه بلدات فليطا ورنكوس وغيرهما، وداخلياً بحجة مطاردة المسلحين الذين فروا من يبرود الى الجرود الفاصلة بين لبنان وسوريا.

قد يكون مفهوماً أن يواصل «حزب الله» حربه في منطقة القلمون بذريعة تنظيفها من «التكفيريين»، بهدف القضاء على آخر جيوبهم، محاولاً وضع حدّ لتصدير السيارات المفخخة وقوافل الانتحاريين الى لبنان وتفجيرها في مناطقه وداخل بيئته التي تدفع الفاتورة الأكثر كلفة ثمن انخراطه في القتال في سوريا. لكن ما هو غير مفهوم ما يحضّره الحزب في الداخل، وتحديداً لبلدة عرسال عبر محاصرتها سياسياً وعسكرياً، سواء بضخّ كم هائل من المعلومات المضللة في إعلامه، وتخيير أبناء هذه البلدة بين الاستسلام، أم عبر العمل العسكري الذي يبدو شبه حتمي بحسب ما يسرّب في إعلام الحزب، ووفق المعطيات الميدانية على الأرض التي تتجلّى في الحصار المحكم من كل الاتجاهات وعزلها جغرافياً وأمنياً عن محيطها، وصولاً الى فرض حصار غذائي، وكأن الهدف تحويلها وأهلها الى «يرموك» جديد.

الخطير في الأمر أن سياسة الحصار والتجويع التي لا يجيدها إلا «حزب الله» وحليفه بشار الأسد، لن تتوقف عند هذا الحدّ، فالمعطيات تفيد بأن ما يجري هو مقدمة لمعركة عسكرية، يتخذ «حزب الله» مطاردة المسلحين داخل عرسال ذريعة لها، وهو ما روّج له إعلام الحزب على أثر سقوط يبرود في قبضته، على اعتبار أن عرسال هي الخاصرة الرخوة التي يسهل استفرادها والانقضاض عليها، وتدفيعها ثمن تأييدها للثورة السورية، وإيواء عشرات آلاف النازحين وتقديم المساعدات الإنسانية لهم.

إن هكذا مغامرة إن حصلت، وهي شبه واقعة تعدّ خطأ استراتيجياً، وستكون لها تداعيات خطيرة وخطيرة جداً على الداخل اللبناني أولاً، والمدخل الواسع لإشعال الفتنة السنية ـ الشيعية التي كان يزعم «حزب الله» طيلة السنوات الماضية أنه لا يريدها ويدعي العمل على وأدها، وهي قبل هذا وذاك ستفتح لبنان على شتّى أنواع المخاطر لأسباب عديدة أهمها:

أولاً: إن الإصرار على ضرب عرسال سواء بالحصار والتجويع وحرمانها من الأدوية والمياه والكهرباء، أم بمعركة عسكرية، سينسف كل العلاقات التاريخية بين هذه البلدة ومحيطها، وسيقضي على النسيج الاجتماعي والتعايش الذي تميزت به هذه المنطقة في كل تاريخها.

ثانياً: إن معركة من هذا النوع لن تجعل من عرسال لقمة سائغة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لن تقتصر عندها المواجهة على عرسال وحدها، بل هي مرشحة للامتداد في كل مناطق البقاع المتداخلة، وربما تفتح المنطقة ومعها البلد ككلّ على أزمة قد يعرف «حزب الله« كيف بدأت لكنه لا يعرف كيف ومتى تنتهي.

ثالثاً: إذا كان الحزب يعتقد بأن التجويع وقطع الطرق سلاح فعّال أو فتاك لتطويع خصومه أو «أعدائه» في الداخل كما يصوّر الآخرين، فإنه سيتجرّع الكأس نفسها، وهذا ما ظهرت ملامحه في ردود الفعل التي عُبِّر عنها وتمثّلت في قطع طرق تعلبايا والمصنع في البقاع والعبدة في عكار وصولاً الى قطع طريق الجنوب بيروت في منطقة السعديات، وهو ما يشكّل مصدر قلق لـ»حزب الله» وجمهوره، ولن يكون بمقدوره ضبط هذه الأمور إن توسّعت لأنها بلا شكّ ستؤدي الى عزل مناطقه عن بعضها البعض جزئياً أو كلياً.

رابعاً: إن مجازفة من هذا النوع ستفتح الباب على أسئلة كثيرة عن دور الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الأخرى، ومدى قدرتها على منع «حزب الله» من اللجوء الى الخيار المرّ في بلدة كانت تصرخ منذ الأشهر الأولى للثورة السورية وتطالب الجيش بالانتشار على الحدود، لوضع حدّ لاعتداءات النظام السوري عليها، ونزع الذرائع التي يسوقها هذا النظام و»حزب الله»، وأن تنظّم مسألة دخول النازحين السوريين، كي لا تتحوّل الى نوع من الفوضى.

هذا الواقع عبّر عنه بوضوح نائب رئيس بلدية عرسال أحمد فليطي، الذي أوضح لـ»المستقبل» أن «عرسال محاصرة منذ أربعة أيام، عبر قطع الطريق التي تربط البلدة باللبوة، والمؤسف أن حاجز الجيش الموجود على الطريق التي تربط عرسال برأس بعلبك قطع هذه الطريق ومنع أياً كان من الدخول إلى عرسال أو الخروج منها». وأكد أن «البلدة بدأت تعاني نقصاً كبيراً في الخبز والطحين والمواد الغذائية، وهذا ما يهدد سكان عرسال البالغ عددهم ما بين 35 و40 الف نسمة، عدا عن حوالى 100 ألف نازح سوري«. مناشداً المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التدخل لإنقاذ اللاجئين السوريين المهددين بأمنهم من جهة وبالموت من الجوع من جهة ثانية».

وأشار الى أن «إقفال طريق سعدنايل وتعلبايا والعبدة جاء رداً على محاصرة عرسال، والمؤسف أن الجيش أعطى إنذاراً ومهلة قصيرة قبل أن يلجأ الى فتحها بالقوة، في حين أنه لا يحرك ساكناً تجاه حصار عرسال».

وقال فليطي: «نحن مستعدون لأي مبادرة، حصلت اتصالات من قبل رئيس الحكومة ووزير الداخلية، مع بعض الفاعليات في البقاع للمعالجة، ونحن نعلن أن أحداً لا يتحدث باسمنا، إذا أرادوا الاجتماع بنا فنحن مستعدون شرط أن يفتحوا طريق اللبوة ليذهب وفد رسمي، ولسنا مستعدين للتسلل من طرق فرعية». وعمّا إذا كان يتخوّف من عمل عسكري، ذكّر فليطي بأن «حزب الله يعرف أن هكذا مغامرة ستكون مكلفة، وربما يتفادى هكذا معركة مع عرسال، لكن لا نستبعد أن يقصف البلدة بوابل من الصواريخ ويزعم أن مصدر القصف الجانب السوري».

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل