إذا كان مطلوبا من “حزب الله” ان يختار بين السلطة والمقاومة، فانه مطلوب من قوى 14 آذار ان تختار هي ايضا بين ان تشارك في السلطة مع “حزب الله” او ترفض المشاركة معه وتقرر المقاطعة اذا لم يلتزم الاتفاقات والبيانات الوزارية.
الواقع أن قوى 14 آذار يتجاذبها موقفان: موقف اتخذته “القوات اللبنانية” يرفض المشاركة مع “حزب الله” لا في جلسات هيئة الحوار ولا في الحكومة اذا ظل لا يلتزم سياسة أي حكومة وفاتحا على حسابه لمصلحة مشروع اقليمي ترعاه ايران، وقد أثبتت التجارب ذلك منذ عام 2005، فلا هو اعترف بنتائج انتخابات 2005 و2009 لأن قوى 14 آذار فازت بالاكثرية النيابية فيهما، وحال الحزب دون تشكيل حكومة من هذه الاكثرية وانتخاب رئيس للجمهورية من صفوفها. وكان للحزب ما يريد تحت طائلة التهديد بالشارع أو بالامتناع عن المشاركة في أي حكومة ما لم يؤخذ بشروطه فتصبح عندئذ حكومة غير ميثاقية. وها ان الحزب لم يسحب مقاتليه من سوريا التزاما منه لسياسة النأي بالنفس المترجمة لـ”اعلان بعبدا” ولا وافق على استراتيجية دفاعية تضع ضوابط لاستخدام سلاحه، ولا سلّم المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، ولا المتهم بمحاولة اغتيال الوزير والنائب بطرس حرب للتحقيق معهم، ولا يلتزم حتى مضمون البيانات الوزارية التي يصير اتفاق عليها ولا قرارات هيئة الحوار عملا بقول أركان فيه: “اكتبوا ما تشاؤون ونحن نفعل ما نشاء”… فأصبح تشكيل الحكومة مع الحزب وبشروطه مشكلة والاتفاق على البيانات الوزارية معه مشكلة ايضا بحيث صار البحث عن عبارات ملتبسة ترضي الجميع وتبقى مبهمة ليفسرها كل طرف كما يريد، والنتيجة ان الحزب لا يلتزم ما لا يعجبه في هذه البيانات، واذا وافق عليها فمن باب المجاملة والمسايرة فقط وللخروج من المأزق. أما الموقف الآخر داخل قوى 14 آذار فهو مخالف لموقف “القوات اللبنانية” إذ يرى ان المشاركة مع “حزب الله” في حكومة واحدة يظل أفضل من عدم المشاركة فيتصرف الحزب عندئذ على هواه ويهيمن على الدولة كما حصل في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي اذ كان في الامكان الحد من ذلك لو أن قوى 14 آذار شاركت فيها للجم ما تستطيع لجمه، وهذا الموقف يذكّر بمقاطعة المعارضة انتخابات 1992 احتجاجا على اجرائها في ظل الوجود العسكري السوري في لبنان وكان من رأي البعض المشاركة فيها لأن المعارضة داخل مجلس النواب تظل أفعل من المعارضة خارجه.
لقد حصل اختلاف داخل قوى 14 آذار حول المشاركة في الحكومة مع “حزب الله” فقررت “القوات اللبنانية” وحدها عدم المشاركة وحجب الثقة عن الحكومة على رغم مشاركة حلفاء لـ”القوات” فيها وإن لم يؤثر ذلك على وحدة 14 آذار، كما لم يؤثر على هذه الوحدة الاختلاف على قانون جديد للانتخابات النيابية.
إن قوى 14 آذار ستظل تواجه موقفا حرجا عند تشكيل أي حكومة إذ انها تصطدم بشروط “حزب الله” ومن معه، فالمشاركة معه تثير الخلاف اذا تمت بشروط الحزب، وعدم المشاركة يثير خلافا ايضا اذا لم يرجع الحزب عن شروطه، وهو في كل الحالات لا يتقيد بما هو مكتوب في البيانات اذا قضت سياسته والسياسة الاقليمية بذلك وما دام يعتبر ان ليس أرخص من الحبر سوى الورق…
واذا كان الصراع بين 8 و14 آذار منذ عام 2005 الى اليوم مر بمطبات خطرة فكيف السبيل الى انهاء هذا الصراع كي يعيش لبنان بأمن وأمان واللبنانيون بأمل مع بدء عهد رئاسي جديد؟
يرى سياسي مخضرم ان هذا الصراع لن يتوقف ما دامت الحرب في سوريا لم تتوقف كي يصير في امكان “حزب الله” الانسحاب منها والقبول باستراتيجية دفاعية تضبط سلاحه وبضبطه يعود التوازن الداخلي الذي أصابه الخلل بوجود هذا السلاح، ويعود مع عودة هذا التوازن حكم لبنان بسياسة اللاغالب واللامغلوب التي تحقق استقرارا دائما وثابتا.
لذلك ينبغي أن يستمر التعايش بين قوى 8 و14 آذار لأنه تعايش لا بد منه أو كان شرا لا بد منه، ما دام ليس في استطاعة أحدهما إلغاء الآخر او الاستغناء عنه، فتجربة حكومة الفريق الواحد التي تألفت برئاسة ميقاتي كانت افشل من حكومات الفريقين التي يبقي عليها توازن الخوف وتحد بالتالي ما أمكن من الضرر ولجم اندفاع أي فريق في الاتجاه السلبي المقلق للجميع. والتعايش بين 8 و14 آذار لا بد منه ولو في الحد الادنى من التفاهم لأنه لا يمكن تشكيل حكومات لا يتمثل فيها فريق من دون آخر لئلا تفقد صفة الميثاقية، وإن زواجا بالاكراه يظل أفضل من الطلاق… ومعالجة هذا الوضع الشاذ لا تكون بالتحدي والاستفزاز انما بالصبر والانتظار الى ان تنجلي صورة الوضع في سوريا كي يصير في الامكان رسم سياسة في لبنان ترسخ الوحدة الوطنية وتصون السلم الاهلي، سياسة تعتمد صيغة تحقق التعايش بين مختلف مكونات لبنان اذا تعذر تحقيق عيشها الواحد، إذ لا يعقل أن يظل لبنان يعيش على التسويات فلا يشكل الحكومات الا بتسوية ولا يضع بياناتها الوزارية الا بتسوية ولا يبت القضايا المهمة الا بتسوية ولا يفسر المبهم الا بتسوية… والخلاف على كلمة واحدة يقيم الدولة ولا يقعدها.