أذكر في تلك الأيام ظهور «حركة الشباب العلوي» التي أسسها علي عيد، وجمعية «وثبة الفتاة العلوية»، وكانتا تعبران عن ذلك الوعي المذهبي الذي لم يكن أساساً دون خلفية مناطقية، فمعظم أبناء الطائفة العلوية في لبنان كانوا يسكنون في حزام البؤس الطرابلسي، وكانوا مع أمثالهم من السنّة في وضع اقتصادي واجتماعي مغرق في اليأس.
في سنة ، وفي ظل ارتفاع حدّة الصراع بين حافظ الأسد وياسر عرفات على الساحة اللبنانية، دخلت باب التبانة في دوامة العنف وبدأت بوادر الفرز السياسي في المدينة على أساس مذهبي.
عند دخول القوات السورية ظنّ البعض أن ذلك الواقع سوف يغيّر حالة العلويين وينشلهم من حال البؤس المزمن ويرفع الظلم عنهم، لكن ذلك لم يحدث، وعلى الأرجح عن قصد. لم يتغير شيء في أوضاع العلويين الطرابلسيين لا اجتماعياً ولا اقتصادياً، وحتى قضية فرض التمثيل النيابي من خلال وجود نائبين علويين لم تنعكس تنمية وفرص عمل لا على بعل محسن ولا على القرى العلوية في عكار. لقد كان واضحاً أن نظام الأسد كان يرغب بإبقاء العلويين على حالهم لتسهيل استخدامهم كورقة في أوقات الحاجة.
لقد تقصد نظام الأسد زيادة الأحقاد بين باب التبانة وبعل محسن، لا بل بين طرابلس بأكملها وبعل محسن، من خلال سلسلة من أعمال القتل والمجازر الموصوفة بحق أبناء المدينة من السنّة قامت بها المخابرات السورية وسجلت في خانة العلويين.
أهم تلك المجازر كانت تلك التي حصلت أواخر سنة وبقيت عالقة في أذهان أبناء باب التبانة وأصبحت سبباً لتفاقم الحقد وتوارثه بعد أن ربطت بأساطير حول عدد الشهداء وطريقة قتلهم، وعن مكان دفنهم، وهناك حتى اليوم من يتحدث عن مقابر جماعية حفرتها القوات السورية لدفن الجثث وبعضها كما يروج في بعل محسن.
من المؤكد اليوم أن من يحرك قيادة بعل محسن العسكرية هي المخابرات السورية، وأن هذه القيادة لا دور سياسيا لها إلا في حالات التوتر والتهديد والمعارك، ولكن الحقيقة الثابتة اليوم هي أن الأكثرية الساحقة من أبناء بعل محسن العلويين يعيشون في حالة من الخوف الدائم من الإستهداف لذنب لم يرتكبوه هم. هذا كلّه، يضاف إليه الإحساس الأقلوي المناطقي، مما جعل مَن تبقى في بعل محسن متراساً لقيادة هذه المنطقة وصعب إمكانية الحل.
أما من ناحية باب التبانة، فقد تبدلت القوى التي خاضت المواجهة على مدى ثمان وثلاثين سنة. لقد بدأت المواجهة بقوى مشتركة للحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية سنة ، وتحولت إلى حركة فتح بنكهة إسلامية مع أبي عربي، وتولتها حركة «التوحيد الإسلامي» وحلفاؤها ومن بقي من حركة فتح في سنة بعد خروج ياسر عرفات من طرابلس، أثناء حكم إمارة سعيد شعبان للمدينة.
اليوم لا يمكن تحديد هوية سياسية للمقاتلين في باب التبانة، فالأكثرية العظمى من حاملي السلاح أثناء المعارك هم من أبناء المنطقة ويشاركون لأسباب متعلقة بالحمية والتضامن مع «الشباب».
هناك في الوقت نفسه مجموعات محددة تشكلت حول زعامات محلية بعضها مرتبط بسياسيين وأخرى متعددة الإرتباطات تبعاً للموسم، ومنها أيضاً مجموعات ذات طابع متطرف دينياً وأخرى فوضوية وذات خلفيات إجرامية.
لقد ترك جزء كبير من أبناء التبانة الأصليين المنطقة بعد تحسن أحوالهم المعيشية أحياناً، وأحياناً أخرى لأسباب تتعلق باللجوء إلى مناطق أكثر أماناً. حلّ محلهم وافدون من الريف وأصبحوا بشكل عام أبطال المنطقة الجدد، وألّف بعضهم مجموعات خاصة بهم معظمها من دون عنوان سياسي غير الشعارات العامة المتعلقة بـ«أهل السنّة» و«الدفاع عن الكرامة» وما شابه ذلك.
لقد قضت الأحداث المتتالية عملياً على دور باب التبانة الإقتصادي، وقطعت أرزاق معظم الناس، وهي ضئيلة أساساً، وحكمت المنطقة تركيبة اجتماعية واقتصادية محورها الاساسي هو استمرار الصراع أو الإستعداد له. كما بنيت زعامات محلية لا وجود لها ولا إمكانية لاستمرارها إلا باستمرار التوتر. وفوق ذلك كله، فقد بنيت أيضاً منافع مالية من خلال الإتاوات والتعدي على الأملاك العامة، إضافة إلى استرزاق من جهات سياسية وأمنية.
وهكذا، وعلى طريقة «روبن هود»، فقد أصبحت هذه الزعامات المستجدة تتصدق على البعض ببعض المنافع، ولكن الأهم هو أن هذه الزعامات أصبحت مصدر التموين بالذخيرة أثناء المعارك، وبالتالي أصبحت الآمرة الناهية.
ولكن، وعلى الرغم من تلك التعقيدات كلها، ما الذي يمنع السلطة من حسم الأمور بشكل ثابت ونهائي ابتداءً بالأمن ووصولاً إلى المعالجات الإجتماعية والسياسية؟
من الواضح أن هذا الطرح سيدخلنا في متاهات تعقيدات متشعبة ومتشابكة يمكن تلخيصها بما يلي:
استمرار اعتبار منطقة بعل محسن المسلحة جزءاً من منظومة الممانعة، وبالتالي من الممنوع جعلها تحت سلطة الدولة بالكامل، وسحب السلاح منها ووضعها تحت حماية القوى الأمنية.
استمرار وجود السلاح غير الشرعي على مختلف الأراضي اللبنانية متمثلاً بسلاح «حزب الله» وحركة «أمل» والحزب القومي والسلاح العشائري، وهو سلاح غير مقيد، وبالتالي فإن استهداف سلاح موجود لدى السنّة سيعتبر منطقياً تحيزاً ضد طائفتهم.
المحاباة الواضحة في القضايا الأمنية المتعلقة بـ«حزب الله» أدّت إلى صعوبة تطبيق القانون في المناطق السنية ابتداءً بمخالفات السير ووصولاً إلى الجرائم الكبرى.
تراجع «شعبية» المرجعيات السياسية السنية لإعتبارها «ضعيفة أو مترددة أو متآمرة»، لمجرد أنها لم تواجه العنف السياسي واللفظي والأمني الموجه ضد «السنّة» بمستوى العنف نفسه. هذا ما جعل الشلل المحلية تتحكم بالشارع لمجرد تلفظها بكلام متطرف وشعبوي، أو ممارستها أي نوع من العنف حتى لو كان ضاراً بمصلحة الناس بالمحصلة النهائية.
تفاقم الفقر وفقدان الأمل من إمكانية المعالجة الحاسمة خارج نطاق الصدقات المؤقتة.
اعتبار المجزرة الحاصلة في سوريا وتقاعس المجتمع الدولي عن وقفها مؤامرة على «أهل السنّة».
إحساس منطقي بأن حلقة من الفساد وتجارة الدم والأسلحة تساهم في استمرار المأساة مما ولّد قناعة بأن عدم المعالجة يعبّر عن تواطؤ وليس عن عجز.
تدهور مالية الدولة على مدى السنوات الماضية، مما يؤكد استحالة علاج الحالات الإجتماعية من خلال المؤسسات الرسمية إن كان على المدى القصير او المتوسط او الطويل.
بناءً على كل ذلك، فإن الحل الامني الممكن تحقيقه بشكل موضعي قد يكون محصوراً بجعل منطقة بعل محسن تحت الحماية والسلطة الأمنية الرسمية ومن ثم سحب الذرائع لتجدد القتال مما يفسح المجال للبدء بالعلاج الإجتماعي والسياسي.