بعيداً عن «استعراض» المجلس النيابي على مدى يومين،وبعيداً عن «التكاذب» و»التكالب» السياسي اللبناني، و»النفاق» المتبادل والتجاذب بين السياسيين اللبنانيين الذين يشبهون في حالهم حال «الإخوة الأعداء»، يحقّ لنا أن نستريح من حال «القرف» التي انتابت اللبنانيين وهم يستمعون إلى كلمات النواب الأفاضل فأصيب بصدمة عقليّة وهو يرى مستحيل «طائر العنقاء» يضرب بجناحيّه فضاء قبة المجلس الكريم، يحقّ لنا أن نأخذ استراحة قصيرة من ضجر السياسة وأحداث المنطقة، فاليوم عيد الأم، وأنا «مشتاقة» لأمي فعشرين عاماً من الافتراق بين عالميْن «يخلع» القلب، وفراق «خالتي» حزّ عُنقي، وجدتني واقفة وبيني وبينها الصمت والتراب يُهال عليها، فأسريّتُ بأنني «حال بيني وبينها التراب»، إلا أنني لا تبرح رأسي صورة «أمِّ حسام الشوّا»، فأي عيد هذا الذي يمزّق صبرها اليوم فيخونها قلبها بفقد ابنها في لحظة «عشوائية» الرصاص في لبنان!!
نلتفت صوب لبنان،وأمهاته مقطّعة قلوبهن بين خوف السيارات المفخخة، والأحزمة الناسفة، والقلب على الأولاد في العمل والمدرسة والجامعة ، هل يعودون سالمين إن خرجوا؟! من يتذكر اليوم «أمُّ ماريا الجوهري» ذات الثمانية عشرة ربيعاً والتي لم تنجُ من الانفجار الرابع في الضاحية الجنوبية في كانون الثاني الماضي، وعلى هذا المنوال أيّ يوم حزينٍ عاد على أمهات العالم العربي ولبنان؟!
يشبه حال قلب أمهات العالم العربي، حال «قلب الأم» التي نستعيدها كلّ عام ونرثي لعقوق الأبناء والأوطان والحكّام، ولقلب الأم المقتلعِ من صدرها، ولشدّة ما حظيت القصيدة بانتشار عربي «ضاع» اسم ناظمها الحقيقي، ما بين أمير الشعراء أحمد شوقي،والشاعر الباكستاني العملاق «محمد إقبال»، وتُنسب تصحيحاً لإبراهيم المنذر وتاريخ وضعه لها عام 1966 ، لكلّ أمهات العالم العربي، لأمهات سوريا ولبنان، بضع أبيات من أسىً مستمر منذ ضاعت «فلسطين» وحتى اليوم على وشك أن يضيع العالم العربي بأكمله، لكلّ أمّ انتزعت قلبها الأنظمة والحكّام والأولاد القتلى الراكضون خلف وهم «الحرية» وسراب «الربيع العربي» الذي لم يُزهر إلا «إرهاباً وموتاً»:»أغرى امرؤُ يوما غلاماً جاهلاً /بنقوده حتى ينال به الوطر/قال: ائتني بفؤاد أمك يا فتى/ ولك الدراهمُ والجواهرُ والدرر/فمضى وأغرز خنجراً في صدرها/ والقلب أخرجه وعاد على الأثر/لكنهُ من فرطِ سرعته هوَى/فتدحرج القلبُ المعفّرُ إذ عثَر/ناداه قلب الأم وهو معفّرٌ:/ ولدي،حبيبي، هل أصابك من ضرر؟؟/فكأن هذا الصوت رغم حُنُوِّه/غضب السماء على الغلام قد انهمر/ورأى فظيع جنايةٍ لم يأتها/أحد سواه منذ تاريخ البشر/وارتدَّ نحو القلب يغسله بما/فاضت به عيناه من سيل العبر/ويقول : يا قلب انتقم مني ولا/تغفر،فإن جريمتي لا تغتفر/وإذا رحمت فإنني أقضي انتحاراً /مثلما يوضاس من قبلي انتحر/واستلَّ خنجره ليطعن صدره/طعناً سيبقى عبرة لمن اعتبر/ناداه قلب الأم كُف يداً ولا/تذبح فؤادي مرتين على الأثر».
من يُغري الأبناء اليوم ببضعة دراهم بانتزاع قلوب أمهاتهن فيسوقهم كالقطعان إلى الموت، ومن يُغري الأمهات بأن يقدّمن أبناءهنّ قرابين على مذبح موت غادر وخائن وصارخ، في سوريا تعتقل الأمّ مع أطفالها، ويُعذّب الأبناء أمام أمهاتهن، ويُذبح الأب تحت نظر أبنائه، من يُصدّق أننا نعيشُ في الألفيّة الثالثة بقلوبٍ وعقولٍ وحشيّة، وأنّ في بعض الحكّامِ إرهاباً يتجاوز ما اختزنته كتب التاريخ عن وحشيّة هولاكو وتيمورلنك وعصابات الصهيونيّة، وحشيّة لا تشبع من الدماء والقتل والتجويع، من يصدّق أنّ حصار أطفال اليرموك تجاوز إرهاب إسرائيل في مجزرة مدرسة بحر البقر، ومجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا، ومذبحة دير ياسين، ومن يُصدّق أننا نشاهد في سوريا اطفالاً نكّل الجوع بأجسادهم حسبنا أننا شاهدناها فقط في الصومال؟! من يغري هؤلاء الحكام بالقتل أهي قلوب أمهاتهم؟! هؤلاء نشِّئوا ودرّبوا على قتل الشعوب والتنكيل بها؟!