#adsense

أمهات في دار الرعاية: “الحمدالله ربيت ولقيت”

حجم الخط

كتبت رين بوموسى في “النهار”

شارف يوم عيد الأمهات على الانتهاء وهي لا تزال تنتظره . في غرفتها، ترقد على سرير تنتظره حاملاً وردة تعبّر عن اشتياقه لحضنها الدافئ . تمرّ الساعات ولا تزال تنتظر في يوم عيد الأمهات أن يزورها. هل يطلّ من خلف ذلك الباب الابيض الجامد. تترقب، تعد الثواني، “هل اتى؟”. لحظة لقاء تحلم بها، في سريرها البارد كي تعرب له عن اشتياقها ولهفتها للمس وجهه ويديه. هي التي رافقته خلال سنين عمر، تصلي كي تسترق منه لحظة في سنوات عمرها الاخيرة.

سميرة تسرق النظر من نافذة غرفتها، تراقب زائري دار الرعاية المارونية علّ وعسى ان تقع عيناها على ابنتها التي ترفض لقاءها. عيد الأمهات مناسبة بشعة تذكرها السيدة الثمانينية، تتذكر تحديداً ابنة لا تطمئن عليها. سؤال سميرة يتكرر في كل يوم خصوصاً في آخر كل شهر، تسأل المسؤولين: “اجت بنتي دفعت المصاري؟”، لتتأكد ما اذا سألت ابنتها عنها او انها فقط تقوم بواجبها المادي.

في كل زاوية من الدار حكاية حزينة، الا ان حيوية السيدة فريدة تشي بشيء من الاستثناء. تبلغ فريدة 87 سنة، تجلس على مقعد وفي يدها عصا تساعدها في المشي. قوتها البنيوية، رغم حالتها الصحية الصعبة، تعكس حيويةً تشع من عينيها. انتقلت هذه السيدة الى الدار بعد ان اصبح صعود الدرج الى بيتها الكائن في الطبقات العليا صعباً عليها. كانت تعيش وحدها قبل المجيء الى الدار. في عيد الام، دعوات من صميم قلبها، تطلب من الله “ان يوفق اولادها” الذين لم يتركوها يوماً.

نادراً ما تطلب فريدة شيئاً من أولادها التسعة، هي لا تريد “سوى أن ينجحوا كما نجحت في تربيتهم”. فريدة “أم التسعة” تحب “أطفالها” حباً جمّاً لا يوصف ولا يقدر، تكرر “أحبهم كثيراً وجلّ ما أريده أن يبقوا مجتمعين كما كانوا دائما وكما هم الآن”. تشير الى أنهم يزورونها يومياً، “أنا ما بطلب منهم شي لا هدايا ولا حتى حاجات ..الله يعينن عندهم عيّل “. لا مكان للعتب في حديث فريدة، بل قلب أمّ يتسع للتفهم وفقط للحب الكبير.

أما مارسيل فترقد في سريرها وتتعايش مع آلامها الجسد، ومع آلام أخرى ترقد في عمق النفس. تستذكر ولديها اللذين لقيا حتفهما منذ سنوات، لتعود وتتذكر آلامها الجسدية التي لم تفارقها منذ أن استيقظت من نوم عميق خلال قيلولة الظهر.

تدخل غرفة روز لتلاحظ هدوءها، تشاهد برنامجاً دينياً حول الهجرة والجنسيات التي يكتسبها اللبنانيون. روايات تسمعها السيدة السبعينية تذّكرها بأولادها الذين هاجروا الى الخارج وحصلوا على جنسيات اجنبية. لا تستطيع روز أن تتنقل بسبب مرض في قدميها، كما تقول، الا أن أفكارها تأخذها دائماً خارج حدود غرفتها لتزور ابنتها وتطير معها الى حيث اولادها. عبارة الشكر لله لا تفارق شفتيها، “أشكر ربي لأني استطعت أن أوصلهم الى ما هم عليه اليوم”. لروز 10 أولاد الا ان القدر لم يترك الا اربعة منهم على قيد الحياة، ابنتان وولدان. ثلاثة كانت الهجرة قدرهم، وابنة تعيش في لبنان وهي لوالدتها خير أنيس حين تزورها في دار العناية.

تشتاق روز لاولادها الثلاثة، وحزنها على بعدهم كبير الا انها تستدرك وتظهر تجرّدها من صفة الانانية قائلة: “بس لو ما سفرتهم كيف كانوا رح يعيشوا؟”. وتؤكد “الحمدالله ربيت ولقيت”. تتمنى روز في هذه المناسبة لو كان اولادها الربعة الى جانبها، وهي اليوم تتنظر ابنتها التي تزورها كل يوم تقريباً.

تتمنى روز أن تعود الى الأيام الخوالي عندما كان احباؤها يجلسون على المائدة لتناول طعام الغداء أو العشاء خصوصاً في المناسبات. ذكرى هذه المناسبات التي لا شكّ أنها عزيزة على قلبها، أدمعت عينيها لتطلب من الله أن يحمي “أطفالها”.

دموع تلك الأمهات البريئة كدموع أولادهن عند قطع حبل السرة. مفاجأة اولادهن لهن في دار الرعاية صبيحة عيد الام تعيدهن في لحظة الى صدر منازلهن المهجورة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل