البلد اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يكون رئيسها سياديًّا قويًّا بسيادته، وإمّا أن يكون تبعيًّا متقدّمًا في تبعيّته. والمزاج في الشارع اللبناني في حال ضياع بين هذين الخيارين، أمّا في الشارع المسيحي فالمقاييس مختلفة تماماً، فالمواجهة بين إلغاء وجود وتحرير مزعوم من جهة وبين انفتاح وحوار جدّيّ ومبادئ صلبة من جهة أخرى. وتبقى الاشكاليّة اللبنانيّة المطروحة هي هي منذ عهد الاستقلال، هل لبنان يذوب في محيطه الاقليمي أم أنّه سيبقى سيّداً وحرّاً ومستقلّاً؟!
تبدّلت التواريخ والأزمنة والأمكنة لكن لبنان ثابت مكانه في جغرافيّة لم تقوَ على تبديلها كلّ أنواع الحروب التي شُنَّتْ عليه من الاستقلال المزعوم، أيّام الانقلاب على الفرنسيين وطعنهم بخنجر إنكليزيّ الصّنع، وصولاً حتّى يومنا هذا. كما طعنوا الفرنسيين وتآمروا مع الانكليز ليحققوا الاستقلال هكذا اليوم يتآمرون مع سوريا وإيران لتسديد ضربة قاسية الى الغرب تنطلق من قلب وجه لبنان الى دولة ممانعة مكان الدّولة السوريّة المتهاوية. واليوم كما بالأمس القريب المتآمِر واحد لم يتبدّل لا اسمه ولا موقفه من طريقة وصوله الى قصر بعبدا لاهثًا.
وبوصوله إلى قصر بعبدا سيتابع مسيرته ليحقق ما لم يتمكّن من تحقيقه بالعسكرة في العمل السياسي فحسب. هذا من دون أن ننسى أنّه يملك القوّة العسكريّة التي ستدعم كلّ تحرّكاته فيما بات يعرف بسرايا خارجة عن القانون تديرها ما كانت تعرف بالمقاومة في زمن الاحتلال الغاصب لأرضنا البارّة. ساعتئذ يصبح لبنان وحده جبهة وموطئاً لإيران على مياه المتوسّط التي تتحكّم بواسطتها بصادرات وواردات العالم العربي من جهة، وبالثروات الموعودة في البحر.
من هنا نفهم تمسّك هذه الجماعات بوزارة الطاقة لما سيوكل اليها من أعمال في هذا المجال. فمسألة التلزيم والعقود الملزمة هي الأساس وهي التي ستفرض على البلد استعماراً جديداً لا بل انتداباً اقتصاديّاً سينسحب على كافّة الصّعد.
بالمقابل المشروع الآخر صاحب النّفس الأطول، وهو الذي استشهد بالمفاوضات التي أجرتها إيرلندا مع ما كان يعرف بالجيش السرّي، والتي دامت لأكثر من خمسة عشر عاماً، سلّم على أثرها كلّ سلاحه وعتاده وعديده للجيش الايرلندي الشرعي وانخرط في تركيبة الدّولة. وهذا المشروع نفسه أطلق خارطة طريقه القائمة على الحوار الجدّيّ، وليس على الحوار الشكلي الذي ينتهي بأوراق مكتوبة، سرعان ما يتمّ التنصّل منها بسابع من أيار من هنا أو بدوحة غنّاء من هناك.
هذا المشروع الذي سيجعل من لبنان واحة للحوار لكل العرب ورياض غنّاء لكلّ الغرب ستكون مختبراً لحوار ثقافات بين الشرق والغرب نحن وحدنا سنكون المختبر الطبيعي لإجرائه.
مشروعان مشروعان، لا وجود لثالث بينهما، فالدّور الهامشي للبنان التغى وانتفت غاية وجوده بعدما استعاد لبنان ريادته في الشرق وبعد فقدان دور الوصاية أو الانتداب عليه.
لبنان اليوم لا يحتمل وجود رئيس ضعيف بلا لون في موقع قيادته لهذا الدّور الرّيادي المناط به. لكن الاشكاليّة الكبرى تكمن في أيّ دور سيرتضيه اللبنانيّون لوطنهم: رئيس سياديّ قوي بسيادته أم قويّ بتبعيّته؟