لعل افضل ما يمكن ان تقدمه طواقم العاملين في المعركة الرئاسية الى المرشحين الرئاسيين الآن يتلخص بنماذج عن جداول الأعمال المعدة لجلسات مجلس الوزراء ومجلس النواب في جلساته التشريعية الى جردة بسيطة تنعش الذاكرة بما تراكم على رفوف الجمهورية المنهكة في السنة الأخيرة فقط من تصريف الوقت والاعمال.
وهذه طرابلس النموذج الأشد توهجاً والأطول مدى زمنياً لواقع عجز الطبقة الرسمية والسياسية والأمنية والعسكرية التي استهلكت عشرات الخطط الامنية منذ ٢٠٠٨ وواكبت عهد الرئيس ميشال سليمان بطوله وعرضه وحكوماته المتعاقبة بما فيها وأخصها حكومة ضمت للمرة الأولى خمسة وزراء ورئيس حكومة منها طوال ثلاثة أعوام لتخلص احوالها الى ما يشبه الوضع الكارثي عمراناً وبشراً وانماء واقتصاداً. وها هو البقاع الشمالي البؤرة المتحولة دواخين فتنة تنفث سحبها في كل لحظة في كل اتجاهات الجمهورية وسطاً وعاصمة وجنوباً وشمالاً. وها هي الحدود الفالتة من كل ضبط الشاهد الحي على أكبر كارثة حلّت بلبنان منذ نشوئه حمّلت الى أرضه المتعبة ما يناهز ثلث المقيمين فيه من النازحين واللاجئين السوريين والحبل على الجرار. وها هي حروب الآخرين على أرض لبنان، شاء من شاء الاعتراف بالتسمية التي أطلقها الكبير العملاق غسان تويني منذ عقود أم أبى، إلا طمر الرؤوس في الرمال انتحاراً وتنكراً للحقائق الدامغة التي لا تزال تطبع واقعنا اليوم كأننا لم نتعلم حرفاً من تجارب الاحتراب والتبعية للخوارج على تنوعهم اشقاء كانوا أم دوليين ام اقليميين. وها هي الطبعة المحدثة للحرب الأهلية النائمة والناعمة والفجة تزحف كل يوم بين ثنايا الجمهورية على وقع صراع مذهبي جاهلي هذه المرة بدلاً من صراع طائفي عالي الكعب وأكثر وجاهة في ظن الذين يعتقدون أن للجاهليات أيضاً مراتب وفئات وتصنيفات. وها هي أكثر فأكثر حقيقة تضاؤل القوّة والحضور والتأثير لطائفة الرئاسة التي قبل أقل من شهرين من موعد استحقاقها تبدو هائمة بين الأساطير التي تقول إن فرصة لبننة الانتخابات قد حانت أخيراً فيما تقاس فرص المحظيين وغير المحظيين من المرشحين بسيناريوات الحظوة لدى واشنطن وطهران وباريس بعدما انزل حذاء الوصي التقليدي السوري عن الرف.
أهي دعوة الى اليأس من انتخابات صناعتها لبنانية خالصة مئة في المئة كما تجود علينا الألسن الدولية المعطاءة والضاغطة لإنجاز الاستحقاق في موعده؟ ثم هل ترانا نخطئ هذه المرّة إذا لم نصدق هؤلاء المبشرين بما ليس فينا وليس فيهم من شيم سيادية خالصة تلبنن الاستحقاق؟
لا هو اليأس ولا هو الوهم، بل ما بينهما من تحذير المرشحين المحببين من التحليق عالياً خارج حدود التواضع لئلا تتحوّل الطموحات المضخمة مشاريع هزائم قاتلة لمن لا قدرة لديهم على مجرد النظر الى المرآة.