لنفترض أنّ معايير انتخاب رئيس جديد للبنان، هذه المرّة، هي لبنانيّة داخليّة فقط، قائمة على المواصفات المطلوبة وموازين القوى، فستكون من أسهل الانتخابات وأبسطها، بسبب توافر عناصرها وشروطها الثلاثة:
– عدم وجود “ظروف قاهرة” تمنع التئام مجلس النوّاب، أو تفرض تعديل الدستور.
– اتفاق الجميع على نصاب الثلثين في الدورة الأولى، من خلال ما أقرّه مكتب المجلس.
– وضوح الاصطفافات السياسيّة وأسماء المرشّحين بنسبة كبيرة.
فلا تبقى إلاّ الإجراءات الدستوريّة والإداريّة لدعوة المجلس للإنعقاد والتصويت.
هذا التبسيط للاستحقاق الأهمّ في لبنان ليس من باب تجاهل المؤثّرات الإقليميّة والدوليّة والعوامل الخارجيّة في اختيار الرئيس، بل لكشف حقيقة مواقف المعنيّين الرسميّين بالاستحقاق، بدءاً برئيس مجلس النوّاب وصولاً إلى رؤساء الكتل النيابيّة.
فهؤلاء، جميعاً، يبشّرون بأنّهم مع “لبنانيّة” انتخاب الرئيس، وضرورة إنتاجه محلّياً بإرادة ممثّليّ اللبنانيّين. وهم الآن تحت الاختبار المباشر للرأي العام اللبناني، الذي يستطيع(مبدئيّاً) محاسبتهم في الاستحقاق التالي بعد بضعة أشهر(الانتخابات النيابيّة في الخريف المقبل).
والاختبار هذا يشمل كلّ الطوائف والأحزاب والكتل والنوّاب فرداً فرداً، ويتّسم بطابع وطني عابر للانتسابات المذهبيّة.
لكنّ الاختبار المحوري الأهم، برغم ارتدائه الطابع المذهبي، هو للموارنة، مرشّحين ومرجعيّات روحيّة وسياسيّة وقادة رأي وأحزاباً وفاعليّات.
والاختبار لا يقتصر على إثباتهم “لبنانيّة” الاستحقاق وتوافر الشروط الثلاثة المذكورة آنفاً، كسائر المكوّنات الأُخرى، بل يتركّز على مشروع والتزامات أيّ مرشّح ماروني للمنصب الأوّل في الجمهوريّة.
وهنا أيضاً، الأمر سهل وبسيط: البناء على سطح الرئيس ميشال سليمان وسطح بكركي.
هذا يعني عدم نزول أيّ مرشّح للرئاسة عن السقفَيْن المرفوعين: إعلان بعبدا ومذكّرة بكركي. وهما وثيقتان متكاملتان لا يجوز التحايل عليهما، أو الاكتفاء بتأييد لفظي لهما.
وكان لقاء القيادات المارونيّة العاجل الذي دعت إليه بكركي محكّاً وامتحاناً للمرشّحين، خصوصاً بعد إعلان البطريرك الراعي أنّ مذكّرة بكركي تصلح كبرنامج ترشيح للرئاسة، وتلويحه بإعلان نتائج استطلاعات الرأي التي يجريها الصرح عن إرادة اللبنانيّين، والموارنة منهم خصوصاً.
وقد بدأ المتضرّرون من المذكّرة والاستطلاع بمحاولة الالتفاف عليهما، بالقول إنّ المذكّرة غير ملزمة بكلّ مندرجاتها، وإنّ الاستطلاعات مشكوك فيها سلفاً!
وقد سمعنا نائباً من تكتّل ميشال عون يأخذ على المذكّرة إغفالها “الحقّ بالمقاومة”(أي تكريس سلاح “حزب الله”)، ثمّ سمعنا نائباً آخر يرفض نتائج الاستطلاعات بحجّة عدم حياديّتها، ولو كانت بكركي طلبتها وأشرفت عليها.
هناك مرشّحون موارنة يتعاملون مع مذكّرة بكركي على القطعة، يقبلون ببنود ويرفضون أُخرى، ويتغافلون عن إعلان بعبدا وتحييد لبنان، ثمّ يطرحون أنفسهم وسطيّين ووفاقيّين.
والحقيقة أنّ “الوفاقيّة” لا تعني المساومة على المبادىء، ولا الوسطيّة تعني الرماديّة واللاطعم.
وطالما أنّ ركيزتَيْ انتخاب الرئيس الجديد باتتا محسومتَيْن في بعبدا وبكركي، يُصبح من السهل إسقاط الإسم المناسب عليهما.
ولا مجال للتشاطر والمناورة، تحت شعارات خاوية مثل “رئيس قوي ووفاقي”، أو “وفاقي لا توافقي”.. وقد وصفها الراعي بأنّها لعب على الكلام.
مَنْ يرفض وثيقتَي بعبدا وبكركي، أو يلتفّ عليهما بتأييد غامض ومشروط، يُصبح مكشوفاً أمام الموارنة والمسيحيّين وجميع اللبنانيّين، ويفقد صدقيّة التأهيل للسدّة الرئاسيّة.
ومَنْ يلتزمهما يدخل فرح الصرحَيْن!
إلاّ إذا كان لبنان لا يزال هو نفسه، بعد 150 عاماً، يعيّنون عليه “متصرّفاً”.