يمارس الجنرال ميشال عون نوعا من الصمت والانضباط اللافتين منذ تأليف الحكومة، وتحديدا منذ العشاء الذي جمعه الى مائدة سعد الحريري قبل أكثر من شهرين، والذي عبد الطريق عمليا أمام مهمة تمام سلام بعد أكثر من عشرة أشهر من المخاض العسير، كان عون من أحد أسباب تعثره ومعاناته ومن واضعي العصي في دواليبه. وكان صوته يلعلع رافضا فكرة المداورة في الحقائب الى حد انه طالب في لحظة ما الرئيس المكلف بالاعتذار.
كان يتحدى ويرفع السقف في الوقت الضائع فيما كان حلفاؤه من «المردة» والارمن في حزب «الطاشناق» غير راضين عن هذا السلوك التصعيدي، الى ان استشعر «حزب الله» بخطورة المستنقع السوري الذي غرق فيه، فكان لا بد من ايجاد مخرج عبر اللجوء الى الخصم السني. ماذا دار في ذلك العشاء وتلك الليلة معروف وغير مؤكد، وقد قيلت اشياء كثيرة حوله وسربت أخرى، الا ان الواضح ان الجنرال عاد راضيا مرضيا، وقبل بالحصة التي اعطيت له في الحكومة. وبدا كالموعود بالجنة التي تعني بالنسبة له رئاسة الجمهورية.
وبدأت رحلة «الصمت والمهادنة»، فأصبح الصهر جبران باسيل وزيرا للخارجية وعضوا «صامتا» في لجنة صياغة البيان الوزاري على مدى شهر تقريبا لدرجة انه اقترح كحل لعقدة «المقاومة» بيانا من سطر واحد ينص على التزام الحكومة ب»المصلحة الوطنية». في وقت كان باسيل يعقد بوتيرة شبه يومية مؤتمرا صحافيا ليشرح فيه انجازاته في وزارة الطاقة ويوزع الاتهامات يمينا وشمالا. وتتوالى اجتماعات «تكتل التغيير والاصلاح» كل ثلاثاء، يدعو في نهايتها الجنرال من الرابية الى التهدئة والحوار والتفاهم بين اللبنانيين.
وخلال مناقشة البيان الوزاري على مدى يومين، كان «التيار الوطني الحر» الحاضر الغائب في الجلسة، لا مداخلات ولا مناكفات من قبل نوابه. نأى بنفسه عن كل ما يجري من حوله، مكتفياً بكلمة لأمين سر التكتل ابراهيم كنعان الذي ألقاها باسم كل نواب «التغيير والاصلاح». ورغم ان احوال البلد ومشكلاته ليس فقط لم تتغير وانما زادت خطورة، فان المقارنة بين ما جاء في كلمة كنعان الأسبوع الماضي وكلمته أثناء مناقشة البيان الوزاري للحكومة الميقاتية السابقة، تلخص الاداء الجديد المهادن وطريقة التعبير والصوت الخافت لـ»التيار».
كل شيء في حب الرئاسة يهون، هي كلمة السر الجديدة. والمطلوب بالتالي رفض الدخول في مشكلة مع أحد، وتجنب اي سجال جانبي، وضرورة الحفاظ على خطاب توافقي وتصالحي، وعدم اثارة اي سجال او افتعال اي مواجهة مع أحد، وخاصة مع «تيار المستقبل» الذي كان يستدعي غالباً ردوداً عنيفة بين الطرفين. فباتت مداخلات تقوم على «التصنيف المذهبي» (السني) الذي اتحف به آلان عون المجلس واللبنانيين خلال مناقشته للبيان الوزاري لحكومة نجيب ميقاتي في 2011 في خبر كان.
ويؤكد اكثر من مصدر في «التيار» ان التعليمات واضحة ومشددة في هذا الخصوص، وان شرائح واسعة من الجمهور العوني باتت تعيش الأمل، لا بل ان بعض الكوادر يعبر أيضا عن قناعته بأن حظوظ الجنرال هذه المرة شبه أكيدة. وتنسج روايات وروايات حول ما جرى في العشاء «السري» بين عون والحريري، اذ يجاهر بعض العونيين في صالونات المتن وكسروان انه تم التوافق على ايصال زعيم التيار الى قصر بعبدا، وان الحريري تكفل ايضا باقناع سمير جعجع او أقله تحييده. وفي المقابل، يتكفل «حزب الله» باقناع نبيه بري بالتصويت لعون، الذي لا ود ولا كيمياء بينه وبين رئيس المجلس.
ويبدو ان رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» بات هو مقتنعا باحتمال العودة الى قصر بعبدا كرئيس منتخب، اذ اعلن لاول مرة لاحدى المحطات الفضائية «أن هناك احتمالاً جدياً بترشحي للرئاسة». وفي ما يشبه الاسترجاع التبريري لتجربته الماضية، اعرب عن افتخاره بماضيه العسكري: «بقدر افتخاري بانتسابي للعسكر، هناك نوعان من الحكم واحد عسكري تسلطي، وآخر عسكري ولكنه ديموقراطي، ويجب التمييز بين الإثنين لإعطاء الوصف الصحيح للعسكر». وعبر عن ثقته باصدقائه، من دون ان يوضح من المقصود بهم، هل هو «حزب الله» الذي لم يعلن لا سابقا ولا اليوم انه يدعم صراحة ترشيحه، أم انه يقصد «صديقه الجديد» الحريري؟ ثم استدرك قائلا: «ان عدم الوصول إلى الرئاسة ليس آخر العالم».
ويبدو واضحا ان الجنرال (79 سنة) يعتبر ان هذه المرة هي فرصته الاخيرة، فتراه حائرا (او متقصدا؟) بين اللجوء الى حصان طائفته او الى ماضيه الذي «وضعه على الرف» ام الى تموضعه السياسي الحالي، الذي يبدو انه لم يعد متمسكا كثيرا به. فهو يرى أن «بناء لبنان يكون بوصول الأقوى بطائفته إلى الحكم»، فيما يحاول بالمقابل ان يعطي لحزبه صورة التيار العلماني. وتراه في مجال آخر يتكلم عن «الرئيس القوي» وينسى (أو يتناسى؟) ان أكثر من نصف نوابه يفوزون بأصوات الناخبين الشيعة. وربما لهذا السبب ليس لديه اي نائب، ولم يتمكن من الفوز في الدورتين الماضيتين (2005 و 2009) ولو بمقعد واحد لا في الشمال حيث هناك 28 نائبا، او في البقاع الغربي، ولا حتى في العاصمة بيروت.
يبقى انه لا شك ان تصميم الجنرال على خوض معركة الرئاسة يشكل احراجا اولا لحلفائه، الذين ليس احد منهم في وارد دعمه لا بين الشيعة ولا بين المسيحيين حتى اللحظة. ناهيك عن تبني بعضهم مرشحين آخرين على طرفي نقيض، مثل دعم بري لجان عبيد. وربما لهذا الغرض لوحظ قيام عبيد بزيارة للرابية بعيدا عن الاعلام. واذا كان هناك من مراهنة على الحليف السوري لرص الصفوف فان مطالبة بشار الأسد ب»رئيس ممانع» ربما تقصم ظهر الجنرال!