منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، والقائه خطاب القسم في المجلس النيابي، في الخامس والعشرين من شهر ايار 2008، لم يبدّل الرئيس العماد ميشال سليمان موقفاً واحداً مما اقسم عليه ووعد اللبنانيين به، خصوصاً في ما يتعلق باحترام الدستور واستقلال لبنان وسيادته ونظامه الديموقراطي، واهم من كل هذا ميثاق العيش المشترك الوارد في الفقرة (ي) من مقدمة الدستور، هذه المقدمة التي حرص سليمان على رفعها على حائط مكتبه، وتذكير كل زائر بانه على استعداد للتساهل في كل المواقف ربما باستثناء ما نصّ عليه الدستور عموماً، والفقرة (ي) خصوصاً، والجميع يعرف ان الرئيس سليمان، كان ينتقد احياناً من قوى 14 آذار، واحياناً اخرى من قوى 8 آذار، وكان احيانا يقترب منه هذا الفريق، واحياناً الفريق الآخر، ولكنه هو كان ابداً ثابتاً في قصر بعبدا، ويترك للآخرين حق الاقتراب منه او الابتعاد عنه، ولأن الفقرة (ي) من مقدمة الدستور تنص على ان «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك» ادرك الرئيس سليمان ان الانقلاب على حكومة سعد الحريري، في الشكل الذي تمّ عليه خلافاً لاتفاق الدوحة ولروح الفقرة (ي) من الدستور، وفرض حكومة امر واقع تهمّش طائفة باكثريتها الساحقة وتبعد اكثر من نصف اللبنانيين عن موقع القرار السياسي والوطني، من شأنه ضرب السلطة في الصميم، وتحويل السلطة القائمة الى سلطة غير شرعية، فبدأ بالتدخل الليّن لتصويب الامور، اما مباشرة بالاتصال الشخصي، واما بانتهاز الفرص الوطنية لتوجيه رسائل الى من يعنيهم الامر، بان مصادرة السلطة وبعض الدولة، والتفرّد بالمواقف والقرارات، وعدم الاعتداد بما نص عليه الدستور من قواعد وثوابت، من شأنها ان تفكك الدولة وتجوّف السلطة المتناقضة مع ميثاق العيش المشترك، ولذلك فان ابتعاد قوى 8 آذار، بشقيها المسيحي والمسلم، عن الرئيس سليمان، ليس ابن ساعته، بل يعود الى ثلاث سنوات خلت، وزاد اتساعا بعد اندلاع الثورة الشعبية في سوريا، وانقسام اللبنانيين حولها، وتراجع قوى 8 آذار عن مبادىء اعلان بعبدا بعدما كانوا وافقوا عليها بالاجماع، ودخول حزب الله بسلاحه ورجاله طرفا مؤثرا في الحرب الى جانب النظام السوري، ما هدد بتفتت صيغة العيش المشترك وموتها، خصوصا بين مكوّنين كبيرين، هما السنّة والشيعة.
***
مع الأسف، لم تفهم قوى 8 آذار، اصرار الرئيس سليمان على حصر السلاح بالدولة تحديداً، وبأن يكون قرار الافادة من سلاح المقاومة في يد السلطة السياسية الشرعية، وبأن لا توضع خطوط حمر في وجه الجيش اللبناني، من اي فريق كان، لأن سليمان الذي يعرف تماما تركيبة الشعب اللبناني، وتركيبة الجيش والقوى الامنية، يعرف ان الحل الوحيد لمنع انهيار صيغة العيش المشترك، يكون بتسليم الدولة والجيش الامرة على تحرك مطلق سلاح على الارض اللبنانية خصوصا في هذه الظروف الصعبة الى ان يتم تزويد الجيش بالعتاد والسلاح الضروريين ليكون المرجعية الوحيدة لحماية لبنان في الداخل وعلى الحدود.
فخامة الرئىس سليمان.. سينصفك اللبنانيون.. والتاريخ أيضاً.