نالت حكومة «المصلحة الوطنية» الثقة. المشهد الذي طال انتظاره والذي لم يعد له أهمية، في مجلس النواب، لم يدل لا على مصلحة وطنية، ولا على أن هذه الحكومة قد تكون فعلاً مقدمة لانتشال البلاد مما عانت منه. كان رئيس الحكومة تمام سلام صريحاً. قال لهم: لا تنتظروا الكثير، قد ننجح وقد نفشل. كان مدركاً أن التحديات أمامه ليست سهلة وأن طريق الشهرين من عمر الحكومة الافتراضي ليس مفروشاً بالورود.
بدت الحكومة في يومها الأول حكومة «فك اشتباك» عبر نقله إلى مجلس الوزراء، لكن إن أرادت الطبقة السياسية وتحديداً الممثلة في الحكومة، أن تكون على قدر المرحلة وتحدياتها، فالطريق واضحة خصوصاً في مربع «السياسية والأمن والقضاء والإنماء».
4 عناوين عريضة تحتاج الطبقة السياسية من خلال الحكومة الجامعة، إلى معالجتها فوراً بعيداً عن التصلب ومحاولات العرقلة والتعطيل. هي في الوقت نفسه اختبار لجدية الممثلين في الحكومة للتسوية التي مشوا في ركبها، بعد عرقلة امتدت لأشهر حكومياً وقبله لأعوام على صعد عدة. تسوية تبقى منقوصة من دون تكاتف وتحرك جدي لمعالجة الأوضاع التي تعاني منها البلاد، بعيداً عن المصالح الضيقة من هذا الفريق وذاك.
سلام في موقف لا يحسد عليه، حكومته أمام مرحلة وتحديات تحتاج الى سنوات لفكفكة تعقيداتها، من أجل خلاص طال انتظاره. هل ينجح؟ سؤال برسم الطبقة وليس هو شخصياً. هو أصلاً رمى كرة النار في ملعبهم بعد حفلة الردح التي شهدها مجلس النواب. مدى قدرتهم على تسهيل المهمة الموكلة إليه تحتاج إلى إيضاحات ستبين الأيام المقبلة جديتها. مرحلة التأليف لا تزال في ذهن سلام، وما تعرض له لا يزال حاضراً في باله، ومخاوفه أضحت أضعافاً مضاعفة.
في السياسة أمام الطبقة الحالية أولاً الالتزام بالمواعيد الدستورية، وإعادة نفخ الروح في عمل المؤسسات، تحديداً الانتخابات الرئاسية، وإجراء النيابية، فالمواطن الذي أعطي الحق بالمقاومة هو بالأصل مسلوب من حقوقه المدنية والسياسية.
الالتزام بالمواعيد الدستورية، لا يمكن أن يبقى خاضعاً للبازار السياسي، سقوطه يعني سقوط الدولة والالتزام بانتخاب رئيس للجمهورية التزام من قبل الدولة تجاه العقد الاجتماعي المبرم بين السلطة والشعب. الفراغ في سدة الرئاسة يعني أن الدولة دخلت في النفق الأظلم بسبب ممارسات الطبقة الحالية عن سابق تصميم وتصور.
بالتوازي يبدو أن استحقاق انتشال الدولة وديموقراطيتها المهترئة أمام تحدي إعادة إطلاق النقاش حول قانون انتخابي جديد وعصري، يؤدي إلى تجديد الدم والتخلص من الاحتلال السياسي، في نظام تعرض لتشققات على مدى أربعة أعوام يمكن أن تطيح به وبما تبقى من صورة للكيان. الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ولو بينهما أشهر فاصلة قسرية بسبب التمديد، إلا أنهما في وحدة مسار ومصير. عدم إطلاق النقاش بشأن القانون والفشل في انتخاب رئيس جديد يعني أن يصبح الفراغ البرلماني ليس ببعيد.
نجاح الحكومة في تجاوز الواقع السياسي الطارئ والداهم، يقتضي أصلاً العمل بجدية على فرض الأمن على كامل التراب اللبناني، بالقوة بما أن الأمن لا يكون بالتراضي. التحديات الأمنية من الحدود الشمالية والشرقية والجنوبية إلى الداخل اللبناني قد يستغلها البعض كما درجت العادة لتوجيه الرسائل. رسائل على الحكومة ألا تستلمها وأن ترد عليها بالطرق المناسبة، وإن كان مرسلها شريكاً في حكومة «المصلحة».
هذا الواقع هو أيضاً تحدٍ للطبقة السياسية المشاركة في الحكومة. إما أنها فعلياً تريد المصلحة الوطنية أمنياً، وترفع الغطاء عن المخلين إلى أي جهة انتموا وإلا يعني سقوطها شعبياً، خصوصاً أن المواطن لم يعد يحتمل أي خضات أمنية، بعد أن قضت الأعوام الماضية على كل فرصه في حياة كريمة. طرابلس نموذج وصيدا أيضاً وحتى الضاحية وبالأمس القريب بيروت.
الأمن لا يمكن أن يكون أداة رادعة من دون جهاز رادع مساند ومساعد، يؤمن المحاسبة للمخلين والمرتكبين. على الحكومة في أول جلساتها نفض الغبار عن كل الملفات القضائية العالقة أو بالأصح المخفية في الأدراج. كل الملفات من دون استثناء ومن دون مصالح وتسويات. محاكمة وإلقاء القبض على المتهمين أولوية، إضافة الى تسريع المحاكمات وحل معضلة سجن رومية.
لا مجال في هذه المرحلة «التسووية» لمضيعة الوقت. عمر الحكومة القصير يجب ألا يكون حائلاً دون إطلاق عجلة الإنماء المتوقف، تحديداً للأطراف، البقاع والشمال، من أجل ألا يصبح قنبلة موقوتة. التقصير والحرمان في هذه المناطق اللذان تتحمل مسؤوليتهما الطبقة السياسية والنواب الممثلين فيها، باتا اليوم أكثر من ملف اقتصادي. ضرورة الإنماء ليست قابلة للتأجيل والتعاطي بأسلوب تسجيل النقاط.
هذه هي التحديات. اختبار لجدية الحكومة ومن فيها. دونها مجهول يتخبط به الكيان. ودونها يعني أن هناك من يريد للكيان الهش الدخول في مرحلة الموت السريري، تمهيداً لنعيه ودفنه. الأيام المقبلة فاصلة للجمهورية السعيدة، إما البقاء سياسياً وأمنياً وقضائياً وإنمائياً وإلا البحث عن كيان جديد، عادة ما يكلف الكثير من الدماء.