Site icon Lebanese Forces Official Website

قرع الجرس … “صلوا ع نية زحلة”

السادسة مساء. قرع جرس الكنيسة للمرة الثالثة، هو الايذان ببدء القداس. الاشرفية نيسان 1981. هرعنا كي لا تفوتنا أي صلاة. الكنيسة صغيرة والناس في صفوف مكتظة تجاوزت الباحة الخارجية الى الشارع. صعد الابونا الى المذبح، وقال: “بدنا نبلّش الصلا على نيّة الشباب لـ عم تقاتل بشرف ت تدافع عن زحلة، وبعد القداس بدنا نشارك كلنا بحملة ت نبعت موونة واسعافات للاهالي فوق”… واختنق صوت الابونا تأثراً، وبكت النساء وادمعت عيون الرجال وانهمرت الصلاة على نية المقاومين في زحلة.

لم يكن من بين المؤمنين شباب، كانوا قلّة من عمر المراهقة، نظرت سيدة الى صديقتها “ليكي ما في ولا شب هون كلن طلعوا لهونيك متل ما طلب الشيخ”، وكانت تقصد الشيخ بشير ونداءه الشهير، الذي دعا فيه الشباب التوجّه الى زحلة للدفاع عنها ومساندة أهاليها في مواجهة الجيش السوري المحتل.

لا أنسى ذاك المشهد الذي كان يتكرر يومياً في الاشرفية وعين الرمانة وجونيه وكل المناطق المسيحية المحررة آنذاك. كنا في بداية المراهقة، وكان المثال الاعلى للكرامة يتمشى كل يوم أمامنا بين الناس، يحادثهم عبر الاذاعة حيناً، في مهرجاناته الخطابية أحياناً، الشيخ بشير.

كانت الاشرفية وكأنها عائلة واحدة موحدّة بالصلاة والالتفاف حول المقاومين، تماماً كما توحّدت في المقاومة والمواجهة يوم دكّها جيش حافظ الاسد ما غيره في حرب المئة يوم العام 1978. كنا لا نستطيع الذهاب الى قرانا، الطرق كلها مقطوعة وخصوصا الى البقاع، وكانت تصل أخبار الشباب من زحلة بتقطّع، ثلاثة أشهر والمنطقة الشرقية بلغة تلك الايام، على هذه الحال تسمع ما يجري فوق من بطولات واستشهاد، وتحاول قدر المستطاع المساعدة والمساندة للاهالي الذين حاصرهم تيمورلنك تلك الايام، حافظ الاسد.

جيش جرار، آلة عسكرية مدمرة، عتاد وعتيد لا يحصى، والاهم من كل ذلك، حقد تاريخي دفين بحجم الجبال، على كل لبناني حرّ تجرّأ وواجه وقال لا لذاك المحتل الذي مذ استولى على سلطة بلاده، وضع لبنان أول الاهداف لمحوه عن خارطة الحرية والكرامة. لم يقبل هزيمته المدوية في الاشرفية، بعدما رُحِّل منها قسراً وبالقوة في أشرس مقاومة واجهها، ولما حاول “إصلاح” التاريخ في زحلة، كانت له الهزيمة الثانية بالمرصاد.

رجال، شباب، نساء وحتى الاطفال، جعلوا من أبواب المدينة رماداً لجنوده. تسعون يوماً وزحلة تُدكّ بالكراهية، جحيم موت مفتوح، والمدينة تواجه بالمستحيل المتوافر. حاول شباب المقاومة اختراق الحصار توغلوا في ليل جبالها الوعرة، ناموا تحت الليل وإفترشوا الثلوج، منهم من استشهد وهو على الطريق، منهم من داهمه الصقيع فبقي تحت الليل مجمداً، ومنهم كثر تمكنوا من الوصول مع العتاد والمؤون لمساندة المقاومين، ورغم كل ذلك، ورغم المستحيل الذي حاربوا به، انتصرت المقاومة التي حاربت بالايمان قبل البواريد، هي كانت مواجهة مباشرة، الحقد مقابل الكرامة وانتصرت الكرامة.

30 حزيران صباحاً بدأت الاجراس تقرع بقوة في الاشرفية، جاء الخبر، انتصرت المقاومة في زحلة، فُك الحصار وتراجع جيش حافظ الاسد، فتحت المدينة أبوابها للشمس، خرج الناس من الملاجىء، قرعت الاجراس، زحفوا الى الكنائس… وبدأت حكايات الملاحم تتوالى من هناك، كانت حكايات مآس، في الجبال كان لا يزال شهداء مطمورون بالثلوج وكشفتهم شمس الصيف، في المستشفيات شباب صاروا معوّقين، الكثير من النعوش البيض وأمهات ثكالى لكن، دوى الانتصار، من بكت شهيداً كانت تبتسم للسيدة العذراء، تشكرها لانها وإن أصبحت أم الشهيد لكن شهيدها أنقذ المدينة من الذل والانكسار والموت الاخر للانسان، موته الشخصي عندما تدوسه قدم محتل.

تحررت زحلة وتحررنا جميعاً، وفي المساء قرع جرس الكنيسة الصغيرة في حي فسوح في الاشرفية، طابور الناس وصل الى الشارع، صعد الابونا الى المذبح: “انتصرت زحلة رجعوا شبابنا ع بيوتن الله يرحم الشهدا بفضل صلواتكن ودعمكن رجعولنا الشباب الله يحمي لبنان”… وطارت زلغوطة في قلب الكنيسة، ضحك الابونا، نظر الى العيون، الكل يبكي، مسح دموعه وأكمل رتبة الصلاة على نية المقاومة المسيحية… ولم ينس حافظ الاسد ما حصل، ولو عاش لكان شهد على هزيمة ابنه في نيسان أيضا عندما ذهب منهزماً من لبنان يشيعه الذل…

Exit mobile version