ما تمتّع الشيعة يوماً باعتراف بهم كحالة مذهبية مجتمعية لها حقوقها وحضورها، في المنطقة العربية، إلا ابتداءً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر، في أحضان جغرافيا لبنان الصغير. وإن كانت ولادة لبنان الكبير مطلع القرن العشرين، ترافقت مع التباس شيعي بشأن الهوية اللبنانية، عبّر عنه في مؤتمر “وادي الحجير”، مبعداً الشيعة كمذهب وكمجموعة عن المشاركة في صنع الكيان. إلا أن الشيعية، كحضور وهوية وفعل وانفعال، هي بنت الكيان اللبناني.
وهذا الانتقال من حال النفور إلى حال البنوّة، تدرّج على إيقاع المتغيّرات في الداخل وفي الإقليم، من انقطاع العلاقة مع فلسطين العربية نتيجة الاحتلال، إلى النزوح الجنوبي الكثيف باتجاه عاصمة لبنان، وصولًا إلى تبلور طروحات ومشاريع العلماء الشيعة من المسألة اللبنانية وأبرزهم محمد مهدي شمس الدين وموسى الصدر.
وما كادت تنجلي هذه الصورة، حتى غيّب الصدر، وانتصرت الثورة الاسلامية في إيران، ودخلت طلائع الحرس الثوري إلى لبنان، مستولدة لها فرعاً في ربوعه، في إطار تصدير ثورتها، أطلق عليه إسم “حزب الله”، أو المقاومة الاسلامية “في” لبنان، وكان ذلك إيذاناً بانتقال الشيعة فيه، إلى الحضن الإيراني.
وجد الوافدون الجدد، أرضية خصبة لبسط نفوذهم، ودأبوا على إعمال آلتهم الدعائية في بث فكر جهادي حركي اسلامي، واستخدام مواردهم المالية والعسكرية، لاستقطاب المجموعات الشيعية الساخطة من الاحتلال ومن رد الفعل الهزيل الذي
صبغ حال قادة الطائفة آنذاك تجاه الأوضاع في لبنان. فخرجت “أمل الاسلامية” من حركة “أمل”، والتقت مع “الشباب المؤمن” و”لجان المساجد” وكوادر حزب “الدعوة” – الذي شارك بتأسيسه السيد محمد حسين فضل الله – ليشكّلوا “جيش المهدي” في لبنان، أي “حزب الله”.
وتماماً كما عملت السلطات الثورية الإيرانية وقتها، على تصدير ثورتها عبر إنشاء أدوات لها أينما استطاعت، تحت مسميّات “حزب الله في تركيا” أو “حزب الله في العراق” أو…، كذلك كان إنشاء “حزب الله في لبنان”، بإشراف إيراني لصيق، وبقيادة ضباط وسياسيين ورجال دين إيرانيين أمثال مصطفى شمران ومحمد حسن أختري وعلي محتشمي. ومذ ذاك، تحوّل المتحمّسون الاسلاميون الشيعة إلى أداة، تسيّرها المصلحة الإيرانية، وفق ما تقتضي الظروف.

فكان من اختصاص عناصر “حزب الله” اللبناني مثلًا ، تنفيذ العمليات الإرهابية في أنحاء أوروبا، من تفجير واغتيال معارضين، لمصلحة الجمهورية الاسلامية، واختطاف الرهائن الفرنسيين والأميركيين في لبنان، وذلك لمنح إيران أوراق تفاوض فيها مع الفرنسيين من أجل إعادة إحياء الشراكة النووية الفرنسية – الإيرانية التي بدأها الشاه، ومع الأميركيين بهدف اقتناء السلاح وتسهيل المباحثات النووية مع فرنسا. وليس أبلغ من عَلَم “حزب الله”، للدلالة على العلاقة التبعية التي تربطه بإيران الثورة، فالشعار يكاد يكون نسخة عن شعار الباسدران (الحرس الثوري)، والوصف المرافق يقول إن هذا الحزب هو فرع المقاومة الاسلامية في لبنان.
ما لبثت أن اشتدّت علائم الإطباق الإيراني على هذا المولود الجديد، فأقصي السيد محمد حسين فضل الله، وهو الأب الفكري له، عندما اختلف في موضوع نظريات الحكم في الفقه الشيعي، مع دعاة الولاية التعيينية المطلقة للفقهاء، أي ولاية الفقيه.
وأزيح صبحي الطفيلي للسبب عينه، واكتملت عناصر السيطرة الإيرانية على “حزب الله”، وعبره على الطائفة الشيعية. فمصدر الشرعية كان يومها قضية فلسطين، فكان احتكار “حزب الله” كار المقاومة، علامة على تسيّده على الشيعة أولًا، وعلى لبنان ثانياً، وكان يتقدّم هذا الاحتكار، بقدر تقدّم العلاقة الإيرانية -السورية، إلى أن وصل إلى ما وصل إليه اليوم من سطوة مطلقة.
لكن شرعية الاستشهاد، لم تكن لتكفي وحدها لإتمام السيطرة على الطائفة الشيعية، فرفدتها صناديق الإمام، وأموال الأخماس و”البونيادات” الإيرانية (مؤسسات تابعة لإدارة المرشد بشكل أساسي، تتجمع فيها الأموال ولا تخضع للضريبة أو الرقابة) ، فأنشئت “مؤسسة الشهيد” في لبنان، كفرع من “بونياد الشهيد” في إيران، تحت إدارة إيرانية مباشرة، مثلها مثل “جهاد البناء” و”مؤسسة المستضعفين” وغيرها، والتي عملت على إنشاء المدارس والمستشفيات والحسينيات، وعلى تكثيف التقديمات الصحية والتعليمية والاجتماعية للشيعة، بهدف تحقيق استقلالية عن الدولة، بعملية نقل تامة، لتجربة رجال الدين الإيرانيين في تقويض حكم الشاه، عبر تقوية الدويلة على حساب الدولة.

وتوسّعت مجالات ارتباط “حزب الله” بالجمهورية الاسلامية وبالحرس الثوري خاصة، واشتدّت أواصرها، فأصبح هذا الحزب شريكاً في أعمال الحرس المالية والعسكرية والإرهابية في العالم، من تجارة المخدّرات والنفط والسلاح والرقيق، إلى إنشاء وإدارة الخلايا الإرهابية في مصر وكينيا وبلغاريا وتايلندا والأرجنتين والبرازيل وفينزويلا واليونان، مروراً بشبكات تبييض الأموال في كندا والولايات المتحدة وأستراليا. وأصبحت أموال الخمس الذي يدفعه شيعة “حزب الله”، مصدراً أساسياً من مصادر المال الذي يصل مباشرة إلى صناديق الإمام في إيران، ليعود ويمرّ قسم منه – وليس كله – إلى لبنان على شكل مشاريع أو مساعدات، عبر الوكيل الشرعي للولي الفقيه، عضو مجلس شورى “حزب الله”، محمد يزبك.
وإذا اتّبعنا المثل الفرنسي القائل ” qui donne ordonne “، هل نستغرب السيطرة الإيرانية الكاملة على القرار السياسي الداخلي والخارجي لحزب الله؟ أكان في إدخاله في الحرب السورية، أم في دفعه لإشعال جبهات والقيام بأعمال عسكرية خدمة للمصالح الإيرانية، أم في الإشراف المباشر على العملية السياسية وتشكيل السلطة داخل الحزب نفسه؟ أكان بإلغاء الانتخابات الحزبية على دورتين متتاليتين، أم بتجاهل القانون الداخلي الذي يمنع استلام منصب الأمين العام من قبل ذات الشخص، لأكثر من دورتين متتاليتين (وهذه الدورة السابعة للسيد حسن نصرالله)؟
إن ما تقدّم، هو غيض من فيض العلاقة التبعية التي تربط “حزب الله” في لبنان، بالجمهورية الاسلامية في إيران وخاصة بالحرس الثوري. فلا أفق لبنانياً للحزب، ولا انفكاك لأواصر علاقته بإيران، إلا بحدوث طلاق مع الحرس الثوري، وهذا من الأمور الصعبة، إلا في حال كف يد الحرس داخل إيران، وضرب دوره وتجفيف مصادر دخله وإنهاكه بمعارك داخلية وبحروب خارجية. وهذا ما نشهد بعض تجسداته الآن، فالحرب السورية أنهكت الحزب والحرس على حد سواء، مالياً وبشرياً ومجتمعياً.
لكن هل يستطيع “حزب الله” الاستمرار، من دون أموال وسلاح ودعم الحرس؟ هل يستطيع العودة إلى حضن الدولة اللبنانية؟ هذا الأمر صعب، ولكن بداية طريقه ممكنة في حال وحيدة، وهي أن يسلّم “حزب الله” أمره للرئيس الإيراني حسن روحاني، ويأمل بتوصّل هذا الأخير إلى اتفاق مع الإدارة الأميركية، يسمح بسحب الحزب من سوريا ويعقبه تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، مقابل استمرار بعض الدعم المالي الإيراني له، من الأموال التي سيفرج عنها الأميركيون نتيجة الاتفاق.
هذه بداية الطريق، ولاستكمالها نحو العودة نهائياً إلى الحيّز اللبناني، لا مهرب من الاستقلال الكلي عن إيران، ومن الركون إلى طاقات الشيعة اللبنانيين، المتوزّعين بين سهول الوفرة الزراعية وروافد الأنهر ومصادر المياه، وبين مهاجر العالم التي أثمروا فيها وأثروا. ولا بأس إن لم يجد الشيعة في لبنان اليوم، صيغة تتناسب مع مناهجهم الفقهية في مسائل نظريات الحكم، وتصون جوهر هويتهم المجتمعية، ولا بأس أيضاً أن يبحثوا في حلول تريحهم وتحافظ على حضورهم ضمن التنوّع، في رحاب الدولة اللبنانية الموحّدة. فهل سيأتي اليوم الذي سنقول فيه “الحزب اللبناني لله” (أي: لبنان حصراً) بدل “حزب الله اللبناني” (أي: فرع لبنان)؟ وهل سيأتي اليوم الذي سيطرح فيه الشيعة أولاً، البحث في صيغة فدرالية للبنان؟
