من دمشق إلى كييف … إذا «تابَ» بوتين

مع إحصاء 150 ألف سوري ضحية لـ «المحرقة» البعثية المستمرة منذ ثلاث سنوات ونيّف، يجدر التساؤل عما إذا كان ما بقي من «خطوط حمر» للنظام الدولي، قادراً على وقف الكارثة الإنسانية. وهذه لم يعد غير مألوف القول إنها تجاوزت كل ما ارتُكِبَ من فظاعات في حملات الإبادة التي طاولت أعراقاً في القارة الأفريقية… بل لا بد أن يكون السؤال هل ما زال مجدياً البحث عن أي نظام يدير العالم ونزاعاته، وإن كانت هناك ولادة مخاضها عسير لعالم آخر؟ مَنْ سينقذه من أحلام القيصر الذي يستعير نهج «البعث» بعد كلّ ما حلَّ بسورية والعراق، من كوارث وخراب يعمّمه العميان.

ما فَعَلَته «عقيدة» الرئيس فلاديمير بوتين في أوكرانيا، و «استعادة» شبه جزيرة القرم إلى البيت الروسي، قد يكونان أقرب إلى ضرب من الاحتيال، لمنح «التشبيح» غطاءً من الشرعية. وإن لم يكن «التشبيح» وحده كافياً على طريقة «البعث»، فالقوة جاهزة لمجرد التلويح بها، عصا قيصر يرفض طلاق السلطة بذريعة استعادة أمجاد روسيا… فيما الخصم، القوة التي كانت وحدها عظمى بعد الحرب الباردة، يلهث لمغادرة أفغانستان وتسليمها لـ «طالبان»، مفضّلاً المعارك «الديبلوماسية» في النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، ومع إيران وملفها النووي.

وبين قوّة «ناعمة» وأخرى عارية ترقص على إيقاع التشبيح والتضليل، يستقوي تلامذة الكرملين الناهض إلى أمجاد امبراطورية، إذ يدركون أنه خطف مفاتيح مجلس الأمن، وأنهى في غفلة من تردد الرئيس باراك أوباما وتلعثم إدارته، أي أثرٍ لنظام دولي. وأبسط مثال على تلاعب الكرملين بمفاهيم الشرعية، أنه يمنح القوّة لنظام يقتل شعبه في سورية بذريعة تطهيرها من الإرهاب، ويدّعي شرعية في البقاء لأن الشعب ما زال يختاره، ويفضّل البراميل المتفجّرة على طي عقود من عمر «الصمود في وجه الأعداء» الإسرائيليين والأميركيين!

لا تكتمل البروباغندا إلا باستغفال الغرب، وهو ما تكرر في أزمة أوكرانيا التي يتعاطى الروس معها من منطلق الثقة بأن أميركا والاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي لن يتجرّأوا على الاقتراب من حافة الهاوية، أو تخويف موسكو باحتمالات حرب كبرى. و «القيصر» الذي «يحتكر» كاريزما الزعامة لنفسه، يُدرك أن أميركا المثخنة بجروح حربي العراق وأفغانستان لا تملك غير ورقة العقوبات في هذه المرحلة. والحال ذاتها تنطبق على أوروبا المترددة الحائرة أمام وثبة الدب الروسي، بعدما ترنّحت طويلاً تحت وطأة إفلاسات مالية وفضائح فساد أحْيَت التربة الخصبة لصعود اليمين المتطرف بكل قبحه. وإن كان النموذج الألماني استثناء، فالقارة التي سمّاها الأميركيون عجوزاً، وتفتقد زعامات استثنائية في كبوتها، تتلطى الآن وراء تأتأة واشنطن.

ألا يثير السخرية مثلاً أن يظن الأميركي أن إرسال سفينة حربية إلى البحر الأسود سيدفع بوتين إلى إعلان توبته، والندم على ضمّ شبه جزيرة القرم؟… إذ سيفضّل مجدداً النوم على وسادة «الشرعية الدولية»!

بـ «الفيتو» خطف الكرملين مفاتيح مجلس الأمن الذي بات كسيحاً، في الحرب السورية والأزمة الأوكرانية التي ستجرّ أزمات ما دامت شهية بوتين مفتوحة «دفاعاً عن الأقليات»، وحق تقرير المصير. ومرة أخرى، بالمنطق ذاته، ألن يشجع «القيصر» الولي الفقيه مثلاً على ادعاء حق إيران في حماية الأقليات الشيعية في العالم العربي؟

بمنطق الأقليات العرقية أو الدينية أو المذهبية، ألا تتجدّد المخاوف على بقاعٍ كثيرة في العالم العربي، كانت مهداً لحضارات وباتت مختبرات لجنون القتل الجماعي؟ الثابت أن خطف مجلس الأمن، مكّن الروس من تأمين شبكة حماية للنظام السوري وتمديد عمره، وإن كانت إشارة بوغدانوف أخيراً الى الانتخابات الرئاسية غير الشاملة توحي بجزرة «صفقة» تلوّح بها موسكو للغرب.

الثابت كذلك أن الفوضى العالمية المتزامنة مع القتل الجماعي في المنطقة العربية، وتمدُّد الجماعات المتشددة وآفة التكفير وإرهابها للأقليات، وانحدار احتمالات إحياء التفاهم بين موسكو وواشنطن على خطوط حمر جديدة في إدارة أزمات العالم… تجعل الحلقات الأكثر ضعفاً المرشح الأفضل للانفجارات الكبرى

وبين المبررات مثلاً، أن مصير الحرب السورية معلّق على مفاوضات الملف النووي لإيران التي ما زالت تدعم نظام دمشق بالمال والسلاح والرجال، ومصير المفاوضات لن يكون بعيداً عما ترتأيه موسكو حمايةً لمصالحها في الخليج، وكل ذلك تحت سقف عض الأصابع في اللعبة الدولية، على حافة الهاوية.

ومع تهاوي مفهوم العقاب الدولي، ضمن الفوضى التي تعصف بالعالم، هل مجرد مصادفة بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم، أن تعلو دعوات علنية في إسرائيل لضمّ أراضي الضفة الغربية، رغم الفوارق التاريخية بين الحالين؟

المصدر:
الحياة

خبر عاجل