كتبت فاطمة حوحو في “المستقبل”:
أخيراً، تنفست طرابلس الصعداء بعد عشرين جولة من القتال حصدت المئات بين قتلى وجرحى ودمرت الأحياء وهددت العيش المشترك وتسببت بتراجع اقتصادي وتدهور أمني دفع العديد من أهلها إلى هجرة قسرية داخلية أو خارج البلاد هرباً من شبح الحرب الأهلية الذي خيّم وسط انتشار مسلح وخطط أمنية مستهلكة وتدابير لا منفعة منها، وتحريض سياسي لإشعال فتن مذهبية ودعم النظام المتهالك في دمشق.
لم يستطع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي القيام بشيء لحقن الدم، وتحاول حكومة الرئيس تمام سلام التعامل مع الوضع الفائق الحساسية في المدينة بعد تراكم الأحداث فيها وعدم معالجة الأمور كما يجب، مما جعلها برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة، وهي من أجل ذلك باشرت التنفيذ في إجراءات تبين عن حسن أداء أملاً في إنجاح الخطة الأمنية وفرض حالة استقرار ينعش المدينة ويزيل شبح الاقتتال وينهي احتمالات أي مخطط للتفجير لاحقاً.
ينظر منسق «تيار المستقبل» في طرابلس النائب السابق مصطفى علوش إلى التطورات الأخيرة في طرابلس بإيجابية اعتماداً على الانطباعات الأولية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية.
ويقول: «نصحنا منذ البداية أن تتخذ الإجراءات الأمنية أولاً انطلاقاً من جبل محسن من أجل ترك انطباع جيد عند الناس ومن بعدها يمكن البناء على ذلك وسحب الذرائع من كل المناطق الباقية، لأن الشك كان موجوداً دائماً حول الخطط الأمنية وعدم تقبلها. أما اليوم فالبداية كانت من جبل محسن والأخبار التي وردت عن هروب الأمين العام لـ«الحزب العربي الديموقراطي» رفعت عيد والدخول بشكل جدي من قبل الجيش للقبض على مطلوبين أدى إلى تعميم شعور بأن هناك جدية وعدالة في تنفيذ الخطة وهذا ما فتح المجال لتقبل كل الفاعليات على الأرض لتنفيذ الخطة».
كثير من الانتقادات حصلت في الشارع بعد تسريب أسماء المطلوبين للقوى الأمنية الذين صدرت بحقهم استنابات قضائية حيث ترك المجال أمامهم للهرب أو التواري عن الأنظار، مما دفع البعض إلى التشكيك في الخطة الأمنية الجديدة واعتبرها مؤشراً الى الفشل، لكن علوش على عكس هذا الرأي فهو يجد أن «الأسماء إن سرّبت عن قصد يكون هذا العمل ذكياً لأن الهدف ليس دخول القوى الأمنية لتتواجه مع الناس وبعضهم قد يحكم بالإعدام بسبب الجرائم التي ارتكبها ولكن الهدف هو تأمين الاستقرار للمدينة، والمواجهة مع أشخاص لديهم إمكانية الدخول في قتال مع 120 شخصا مثلاً على لوائح المطلوبين معناه الدخول في حمامات دم». أما إذا كان التسريب مصادفة فيكون مصادفة مفيدة وطالما أن الهدف هو استقرار المدينة والتخفيف من الأضرار على الناس فإننا نرى أن المواجهة لن تقضي فقط على المطلوبين وإنما على أفراد من القوى الأمنية والمواطنين وتسبب الدمار وقد يؤدي ذلك إلى وقف الخطة الأمنية».
لا يوافق علوش على رأي الأصوات التي صدرت من باب التبانة والتي تقول بعدم رمي السلاح لأنه وجد للدفاع عن الأحياء والمنازل والعائلات هناك، ويقول: «هذه الأصوات قليلة، لكن الأكثرية الساحقة من باب التبانة بحاجة إلى الأمن والاستقرار وعبرت عن ذلك أكثر من مرة وبدأت تضيق ذرعاً بالوضع القائم على الأرض ولذلك كان هناك رفض من الأهالي لحالة «الممانعة» لدى البعض، لكن الأكثرية من المسؤولين عن المحاور أو المواطنين يبحثون عن الخلاص ويريدون دخول القوى الأمنية الرسمية لتأمين الاستقرار».
أكثر من مرة جرى الحديث عن خطة إنمائية تواكب الإجراءات الأمنية وطرح موضوع استيعاب الميليشيات المتقاتلة في القوى الأمنية، والآن مع بدء التنفيذ، يعتبر علوش ان «هذه الأسئلة سيجري الجواب عنها من خلال التجربة العملية، نحن متأكدون ان الاجراءات الأمنية ستتم متابعتها وطرابلس لن تبقى في العناية الفائقة لمدة طويلة، اذ لا يمكن توكيل 3500 عنصر بين قوى أمن وجيش في هذه المنطقة لوقت طويل، أما العلاج الاجتماعي والاقتصادي يبقى مرهوناً بكيفية تطبيق الخطة الأمنية، ولكن مجرد تأمين الاستقرار الأمني، يعطي فرصة للناس من أجل العمل والعودة إلى حراك اقتصادي مفيد ولكن يبقى هناك مجموعات مهمشة غير قادرة على العمل، لا بد من ايجاد المجالات أمامها، هل الدخول في الجيش أو القوى الأمنية هو مخرج؟ قد يكون الأمر صحيحاً بالنسبة إلى فئة معينة ولكن ليس للجميع، ويجب درس امكانية تطبيق هذا الموضوع حتى نؤمن حالة استقرار متوسط الأمد، لان الاستقرار على المدى الطويل، مرتبط بسحب السلاح من كل الميليشيات في لبنان والوصول إلى خيارات وتسويات اقليمية في هذا الخصوص».
لطالما ركز الخطاب السياسي والاتهامات على ان النظام السوري و»حزب الله» يستخدمان طرابلس كساحة تبادل رسائل، واليوم يطرح السؤال هل زال خطر التأثير السوري على مجريات التطورات في المدينة، لكن علوش يرى انه «يمكن الفصل بشكل مؤقت وربما لبضعة أشهر، لكن لا يمكن ان تبقى المدينة في العناية الأمنية الفائقة لفترة طويلة ونحن في بلد صغير، إذ لا يمكن القول اننا لا نريد ان ندع المطر يسقط على طرابلس بينما الرياح تعصف بكل البلد، نحن في بلد الميليشيات المسلحة غير الشرعية، إذا لم تتوسع الخطة الأمنية في كل لبنان ويتساوى الجميع فيها من خلال تسويات أو خيارات سياسية أو من خلال فرض الأمن بالقوة خلال الأشهر المقبلة، اعتقد ان الصورة لا يمكن ان تبقى على حالها وبالتالي لا يمكن عزل طرابلس عما يجري من حولها».
هل رفع «حزب الله» يده نهائياً من تحريك الوضع الأمني في طرابلس عبر «سرايا المقاومة» أو دعمه المعروف لآل عيد وغيرهم؟ يجيب علوش: «حزب الله» انسحب تكتيكياً بالوقت الحالي لأنه عملياً هو على عكس ما يفكر البعض ليس كلي القدرة، هو حزب ميليشيوي ومرتبط بمشروع ولديه قواته المحدودة وقواه محدودة وامكانياته المالية محدودة كذلك بما يقدمه «الولي الفقيه» لذلك اعتقد انه انسحب تكتيكياً لضبط قواته لا سيما بعد فتح جبهة الساحل ومطالبة بشار الاسد بالمزيد من ميليشيات «حزب الله» للقتال في سوريا، ربما ايضا بشار بحاجة للميليشيا التي تقاتل في جبل محسن حتى تقاتل معه في منطقة اللاذقية».