ما أن دخل الإستحقاق الرئاسي في الخامس والعشرين من آذار الماضي، حتى اتجهت أنظار اللبنانيين الى بكركي لمعرفة توجهاتها بالنسبة الى هذا الاستحقاق، ذلك لأن لبكركي عبر التاريخ المعاصر دور مركزي أساسي في ما يرسو عليه هذا الإستحقاق في نهاية شد الحبال التي تشهدها عادة الساحة الداخلية كل ست سنوات، وكان اللبنانيون يتوقعون أن تدعو بكركي كما سبق لها، النواب المسيحيون الـ 64 الذين يشكّلون نصف عدد نواب الأمة وفق تقسيمات إتفاق الطائف لحملهم على الاتفاق على أحد من داخلهم ومن خارج الندوة النيابية أو على عدة مرشحين يتم التوافق بينهم على واحد منهم يكون رئيساً للجمهورية برضى وموافقة الفريق الثاني الذي يقتصر دوره عادة على التصويت، أو على الإختيار بين المرشحين إذا تجاوزوا الواحد.
وبالفعل بادرت بكركي بعد انقضاء بضعة أيام على دخول البلاد في مهلة الشهرين اللذين حددهما اتفاق الطائف والدستور في مادته 73 لانتخاب رئيس جديد للبلاد يحلّ محل الرئيس المنتهية ولايته والمحددة دستورياً بست سنوات الى دعوة القادة المسيحيين الأربعة الشيخ أمين الجميّل رئيس حزب الكتائب والنائب ميشال عون رئيس التيار الوطني الحر والنائب سليمان فرنجية رئيس تيار المردة والدكتور سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية الذي اعتذر عن الحضور لأسباب أمنية بعدما اطّلع على البيان الذي صدر عقب الاجتماع مسبقاً ووافق عليه، كما قال هو نفسه لـ «اللواء» عندما سألته عن أسباب تغيّبه عن اجتماع مهم، كهذا الاجتماع الذي على ضوئه يتقرّر الى حدّ بعيد مصير انتخابات رئاسة الجمهورية والشخص الذي سيحتل هذا المركز بعد تكريس انتخابه من قبل المجلس النيابي.
ومن نافل القول أن البحث في هذا الاجتماع تركز حول الاستحقاق الرئاسي ومدى قابلية الزعماء الأربعة الأساسيين في الطائفة المارونية والذين لهم حيثية شعبية ونيابية للاتفاق على أحدهم أو على شخص من خارج هذا النادي يترشح بقرار مسيحي نيابي موسّع لمركز رئاسة الجمهورية على أن تدعى الهيئة العامة لمجلس النواب الى تكريس انتخابه رئيساً للجمهورية كما درجت العادة اللبنانية لجهة أن الفريق الإسلامي يقبل بما يتفق عليه المسيحيون بالنسبة الى الاستحقاق الرئاسي.
وبدلاً من أن يصدر عن المجتمعين الثلاثة في بكركي بيان يعلن اتفاقهم على مرشح لرئاسة الجمهورية فوجئ اللبنانيون ببيان يحثّ على وجوب إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، وعلى أن يكون اختيار الرئيس الجديد ممّن يتمتعون بالحيثية الشعبية والسياسية.
وقد فُهم من هذا البيان أن الأقطاب الأربعة لم يتفقوا على مرشح واحد من بينهم أو من خارج النادي، وأن الانتخابات الرئاسية ستشهد معركة حامية بين عدة مرشحين وإن كانت ستنتهي إما بإتفاق على واحد منهم وإما بالتصويت النيابي كما حصل في العام 1970 عندما تم انتخاب المرحوم الرئيس سليمان فرنجية بأكثرية صوت واحد ضد منافسه المرشح الشهابي الياس سركيس واحتفل المسيحيون بهذا الفوز الذي كان يحصل للمرة الأولى في لبنان حيث لم يتدخل الخارج وترك للعبة البرلمانية أن تأخذ مجراها.
وبعد صدور هذا البيان تحركت الاتصالات والمشاورات بشكل مكثّف من قبل الأقطاب الأربعة مع الداخل والخارج لجسّ النبض قبل اتخاذ القرار النهائي بالترشح أو بالعزوف إذا تبيّن لأحدهم أن حظوظه الدولية والمحلية ضعيفة بينما حظوظ غيره متقدّمة، وظل التركيز على الأقطاب الأربعة بوصف كل واحد منهم يتمتع بالحيثية الشعبية التي أشار إليها إعلان بكركي.
بعضهم اعتمد على السرّية في البحث عن حظوظه في الحصول على أكثرية نيابية للوصول الى بعبدا، لكن آخرون كالدكتور سمير جعجع والنائب ميشال عون فضّلوا الدخول في معركة السباق الى بعبدا بأنهما يستعدّان للإعلان عن ترشحهما لاحتلال أعلى مركز في الجمهورية اللبنانية، غير أن رئيس القوات اللبنانية كان السبّاق الى هذا الإعلان من خلال إطلالته على إحدى المحطات التلفزيونية ومن ثمّ من خلال تحديد الهيئة التنفيذية للحزب يوم غد الجمعة لكي تُعلن عن ترشيح الحزب رئيسه لانتخابات رئاسة الجمهورية، فيما ظل العماد عون ينتظر أن يحدد موعد ترشّحه بعد انتهاء التشاور مع حلفائه في الداخل وعلى رأسهم حزب الله، المتحالف مع إيران والتي مهيّأة لأن تلعب دوراً رئيسياً في انتخابات الرئاسة اللبنانية وفق ما يقول مقرّبون من المصادر الأميركية التي تقف على خط الاستحقاق الرئاسي في لبنان ومن بينهم السفير الأميركي في لبنان مستر هيل الذي يكثّف جولاته على القيادات اللبنانية بحثاً عن الرئيس المقبل، وطارحاً مجموعة أسئلة عن الشخص الذي يتمتّع بأكبر حظوظ لاحتلال هذا المركز ومنهم بطبيعة الحال رئيس حزب القوات اللبنانية الذي يتمتّع بحيثية شعبية قوية وله آتصالاته وموقعه المميّز عند عدد من الدول العربية وفي المقدّمة المملكة العربية السعودية وعند دول غربية بينها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا لكنه يصطدم بمعارضة قوية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تعمل بقوة لإيصال النائب عون الى بعبدا أو البحث عن شخصية وسطية ضعيفة يرتاح الى التعامل معها حزب الله، كما حصل في الانتخابات الرئاسية قبل ست سنوات، والتي تمّت على أنغام اتفاق الدوحة الذي لعبت إيران يومها دوراً أساسياً في الوصول إليه وفي الاتفاق على الرئيس الذي سيحتل قصر بعبدا لمدة ست سنوات القادمة.
والدكتور جعجع يُدرك تماماً أن إيران سوف تخوض معركة ضده وسوف تستخدم كل الوسائل المتاحة لديها لمنع وصوله الى رئاسة الجمهورية، لكنه يُدرك أيضاً أنه ليس وحده في الساحة بمواجهة الرفض الإيراني بل أنه يستند الى حلفائه في قوى 14 آذار الذين يشكّلون قوة ناخبة لا تقل عن 59 نائباً كما يستند الى قناعة شبه عامة عند اللبنانيين بصلابة مواقفه اللبنانية وقدرته على إعادة الاعتبار للشرعية الدستورية في وجه اللاشرعية التي تحاول ابتلاع الدولة، ويوقف النزف الداخلي ويمنع خطر الاقتتال المذهبي بين السنّة والشيعة بعدما ينقل الصراع بينهما الى صراع بين الشرعية واللاشرعية، كذلك الأمر يستند في ترشحه الى دعم عربي ممثلاً بالمملكة العربية السعودية التي تربطه بها علاقة قوية وبدول عربية أخرى إضافة الى علاقاته الدولية الواسعة وتحديداً مع الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا اللتين تلعبان دوراً أساسياً في دعم لبنان للحفاظ على استقراره وعلى نظامه الديمقراطي وأيضاً على سيادته واستقلاله كونه يتعرّض لخطر محدق جرّاء استمرار الحرب الأهلية في سوريا وتداعياتها الكبيرة والخطيرة على الكيان اللبناني، لكنه (جعجع) يتمسك بأن تكون الانتخابات الرئاسية معركة بحت لبنانية – لبنانية ومن دون تدخل خارجي ويعرف أن التدخل الخارجي في ظل المعادلات الدولية الراهنة وفي ظل تراجع السياسة الخارجية للرئيس الأميركي باراك أوباما يبقى محدود التأثير وغير قادر على تعديل موازين القوى الداخلية.