#adsense

علي عيد إلى سوريا ورفعت إلى أميركا وقادة محاور إلى مخيمات: “بالأمس تقاتلنا واليوم تلاقينا”

حجم الخط

كتب مصطفى العويك في صحيفة “النهار”:

بالأمس القريب كانت مريم الثلاثينية من جبل محسن تتسلل خفية من خلف الجدار الفاصل بين منزلها وسوق الخضار في التبانة، ترتدي زيا شبيها بما يرتديه جيرانها من النساء، خوفا من ان يعرفها أحد، تتحصن بدعوة اولادها لها بالعودة سالمة، وتنطلق في مسيرة الخوف لتأمين ما يسد جوعهم، حتى لو تلطخ الطعام برائحة الدم. لكن بعد اليوم ستتمكن مريم ومعها الكثير من نساء ورجال جبل محسن من الدخول والخروج من منطقتهم، خصوصا بعد مشاركتها مع العشرات في نثر الارز على اهالي التبانة الذين توجهوا في بادرة حسن نية الى الجبل من ناحية طلعة الشيخ عمران التي كانت تشهد اعنف المعارك. بالامس كان السلاح لغة بينهم واليوم بات “الارز” هدية من هم “فوق” لمن هم “تحت” مع “كاسة متة” مع المقبل من الايام.

على الضفة المقابلة من شارع سوريا، كان “أبو محمد” يجلس على “سحارة خضار” مع عدد من الرفاق يحتسي القهوة، ووجهه نحو الجبل، “نخاف أن يأتينا رصاص القنص”، فالقناص هنا زائر دائم ومن غير مواعيد، يكفي ان يشاع ان توترا على احد المحاور قد بدأ، حتى يطلق العنان لبندقيته، و”يقنص” استقرارا هشا، وشارعا فارغا الا من “لوحات” رسمها ومن معه من قبل برصاص القنص في ابهى صورة، حيث استحالت معرضا يمكنك السفر به الى اعماق الاشكال “السياسي” القائم بين “تحت وفوق” منذ عام 1986 تاريخ مجزرة التبانة التي راح ضحيتها الآلاف من النساء والاطفال، حتى اليوم.

لم يكن “ابو محمد” يتصور انه خلال ساعات قليلة سيترك “سحارته” ويتوجه نحو الجبل ليلقي التحية على جيرانه، “هم اخوة لنا عشنا واياهم سنوات طويلة من الفرح والحزن”، يقول لـ”النهار” بعد دخول الجيش مع بدء تنفيذ الخطة الامنية الى عمق التبانة. ما لا يفهمه “ابو محمد” اليوم هو “لماذا اندلعت هذه الجولات الـ20 مدى ثلاث سنوات وكيف توقفت بساعة واحدة؟”.

في شارع سوريا، وخلال الجولات العشرين لم تكن ثمة ساحة للقاء، كنت تمر مرور الكرام كعابر سبيل، او تحكم على نفسك بالموت. لا مجموعات شبابية تلعب كرة القدم في الملعب المجاور للشارع كعادتها من قبل، لا نساء على “الشرفات” يتقاسمن اطراف الحديث. وحدهم اصحاب المحال التجارية يشربون “الشاي”، يتحلقون حول مأساتهم الاجتماعية وكارثتهم الاقتصادية، ويشكون لبعضهم البعض ندرة الزوار اليهم. “مهنا” ترك محله المخصص لصب المفاتيح و”هجر” الشارع متوجها نحو الكورة، وهو ابن جبل محسن الذي تربطه علاقات متينة مع ابناء التبانة، يقول احدهم: “هو واحد منا لكن الاوضاع باتت صعبة وكل زبائنه من خارج التبانة فلا بد له ان ينتقل ليستمر بالعمل”. ابناء التبانة ايضا ضاقوا ذرعا بالمعارك العبثية، وها هو “القدور” صاحب “بن القدور” أغلق محله هنا وانتقل الى الزاهرية، وكذلك فعل “برغشة” صاحب محل لبيع الدجاج وغيرهم العشرات. اذا من بقي في الشارع؟ لم يبق هنا سوى الفقراء والعاطلين عن العمل، الذين يعتاشون من اطلاق الرصاص ورمي القنابل وتوتير الاجواء، وبعض صغار التجار الذين لا تسمح امكاناتهم المادية لهم بالخروج من “شارع الخوف والموت”، الى شوارع الحياة الطبيعية. اليوم هناك فرصة كبيرة للحياة من جديد في شارع أطال الموت التخييم فيه، فبعد ازالة الجيش للدشم التي رفعها “المتقاتلون الهاربون” ازيلت الحواجز من النفوس مباشرة واصبح بامكانك المكوث طويلا في الشارع الاكثر حيوية في التبانة من دون خوف من “قنص” او رصاص طائش.

“الشارع الذي يحمل لعنة اسمه” (شارع سوريا)، كما يصفه “طارق” احد سكانه، بات اليوم على عتبة مرحلة جديدة كما هو “واضح من تصرف الدولة وحزمها”، وبالتأكيد كما أزيلت الدشم من على الارض، رويدا رويدا، ستزول الدشم الاكبر التي في القلوب، واللقاء مع اهالي جبل محسن الذي كان ممنوعا بأمر من “قادة المحاور”، بات اليوم اساسيا لاستكمال الحياة بغيابهم.
الطرفان هنا يريدان الحياة معا، لكن السياسة وزواريبها منعتهما من ذلك، كما يؤكد عضو بلدية طرابلس عن منطقة التبانة عربي عكاوي (نجل الزعيم التاريخي للتبانة ابو عربي). الجميع يريد الأمن والاستقرار اللذين تؤمنهما الدولة، فرغم كل ما جرى لا احد هنا يؤمن بسلاح الفوضى الذي ينهك المنطقة واهلها ولا يستطيع حماية السكان.

“خالد” بائع القهوة سابقاً، والاب لثلاثة اولاد، والذي اودت قذيفة “ب7″ بعربة قهوته ومورد رزقه الوحيد، يمثل نموذجاً للذين شاركوا في الجولات الخمس الاخيرة رغم انهم كانوا رافضين داخليا لها، يقول لـ”النهار”: “كنا شباباً متحمساً للقتال دفاعا عن أنفسنا واولادنا ومنازلنا، فجأة تحولنا الى آلة بيد الممولين وما يعرف بقادة المحاور، وكل ما جرى بين التبانة والجبل “كذبة كبيرة” بطلها ممول او سياسي يريد ان يسجل اهدافا في مرمى خصمه المحلي او الاقليمي. الفقر هو من اجبرنا على حمل السلاح لنقاتل، الرصاص بتسعيرة، ورمي القنابل بستعيرة أخرى وهكذا، حتى نتمكن من اطعام اطفالنا.

في الخط الفاصل بين جبل محسن وباب التبانة، كان الفقر يقاتل الفقر، وفقراء يقاتلون فقراء، وسياسة خارجية تحرك “مشغليها” من الطرفين، فوقع الطرفان في فخ الحصار الجغرافي، والتمزق في النسيج الاجتماعي، والانهيار الاقتصادي. تبدل المشهد مع عودة الدولة بأجهزتها الامنية وحزمها وعدالتها، الفقير الذي كان يقاتل الفقير، أتى اليه معتذرا عما جرى باحثا معه عن الآلية المناسبة لتعزيز الثقة أكثر بين المنطقتين، ومفكرا معه ايضا في عمل لكليهما يكفيهما شر العودة الى ما كانا عليه سابقا.
فهل انتهت “الجولات” تماماً في شارع سوريا ومحيطه وعادت الحياة فيه الى ما قبل 2007، ام ان توتر الاوضاع السياسية سيعيد الامور الى ما كانت؟ وما هو مصير قادة المحاور لدى الطرفين؟ وماذا بخصوص مرتكبي تفجيري السلام والتقوى؟ تعقيدات كثيرة لا تزال تحيط بهذه الملفات والاجوبة رهن التطورات.

علي عيد إلى سوريا ورفعت إلى أميركا وقادة محاور إلى مخيمات

كتبت كلوديت سركيس في صحيفة “النهار”:

تتطلع مصادر مواكبة لتنفيذ الخطة الامنية بارتياح الى الخطوات العملانية التي تحققت الى الآن في طرابلس، وتعتبر انها باتت بحكم المنتهية على صعيد الخطوات التالية التي ينتظر تنفيذها في الساعات المقبلة استكمالا للخطة، باعتبار ان هذه الخطة التي اقرها المجلس الاعلى للدفاع تشمل مواضع اخرى من المناطق اللبنانية وموافقة مجلس الوزراء عليها.

وتعرب المصادر عن ارتياحها الى هذه العملية الامنية استناداً الى اعتبارات في مقدمها انها تمت سلميا ومن دون اراقة نقطة دماء، في مناطق شكّلت مدى اعوام بؤر توتر متصاعدة، الى درجة باتت تنذر بأبعاد وعواقب لن يسلم احد من موسها، وقسمت منطقة صغيرة جغرافيا الى منطقتين وخطوط تماس ومحاور، وتطورت الى قادة محاور وانفلاش مسلح، فضلا عن عودة هذه البقعة تدريجا الى كنف الدولة، الامر الذي لم يكن متوافراً مع كل الخطط الامنية السابقة التي كانت تسقط مع عودة التوتر اليها. وتتحدث عن تحقق هدف هذه العملية ونتائجها بمعزل عن اعتبارات يكفل القانون تنفيذها على المدى الطويل لجهة المطلوبين امام القضاء، سواء بمذكرات توقيف او استنابات قضائية او بلاغات بحث وتحر. وفيما تواصل عناصر الجيش اعمال الدهم وازالة الدشم والمتاريس والعوائق من المناطق المعنية بالخطة الامنية التي تشمل جبل محسن وباب التبانة، تشير هذه المصادر الى مغادرة النائب السابق علي عيد الى سوريا ونجله رئيس الحزب العربي الديموقراطي الى اميركا عشية بدء تنفيذ الخطة الامنية. وقد امكن مغادرتهما لبنان لعدم وجود مذكرات قضائية معممة في حقهما، باعتبار ان الملفين الملاحقين فيهما لا يزالان قيد التحقيق. فعلي عيد صدرت مذكرة توقيف غيابية في حقه بتهمة تسهيل فرار مطلوب في تفجيري طرابلس، ونجله الذي يحمل تأشيرة دخول الى اميركا صدرت مذكرة توقيف غيابية في حقة في موضوع تهديد فرع المعلومات خلال مؤتمر صحافي. وتعتقد ان دخول الجيش الى منطقة جبل محسن اولا بالتزامن مع بعض المواقع في المدينة، له دلالته، فالى العامل النفسي هناك العامل الاستراتيجي، فهذه المنطقة التي تعلو منطقة باب التبانة وتطل عليها تمكّن الجيش من دخولها.

وتوقفت المصادر عند توقيف المطلوبين بموجب قرارات قضائية. فهذه التوقيفات ان لم تتزامن بالنسبة الى بعض الاشخاص الرئيسيين، وبينهم قادة المحاور، مع تنفيذ الخطة، فإنها ستحصل عاجلا ام آجلا لان الغاية الاولية هي اكل العنب لا قتل الناطور. وفي هذا الاطار يأتي اصدار مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر 200 استنابة قضائية وبلاغ بحث وتحر في حق مطلوبين في قضايا جنائية مختلفة، بينها قتل وتفجير. وبعض هذه الاستنابات وبلاغات البحث جرى تجديده باعتبار ان الاخير يسقط بعد شهر من اصداره، فيما تسقط الاستنابة بعد ثلاثة اشهر. وعلى هامش الاحداث التي كانت تشهدها تلك المنطقة، وآخرها الاعتداء على امنيين من جيش وقوى أمن، فان الاجراءات القضائية في صددها تقضي قانونا بتعميمها على الانتربول الدولي. وتشير معلومات الى ان ثمة مطلوبين لجأوا الى مخيمات في الجنوب، وبينهم قادة محاور.

وفيما تستمر أعمال ازالة الدشم وتنظيف الطرق من آثار الحرب، كان الاولاد اول من دخل خطوط التماس مع جمعية “فرح العطاء”، اجتمعوا من بعل الدراويش التابعة لخطوط التماس في باب التبانة والحارة الجديدة التابعة لخطوط التماس في البعل، في حديقة، وراحوا يلهون بأمل نحو المستقبل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل