سأخبركم عن الرئيس القوي والوطني كيف يكون أو كيف يجب أن يكون . ولدينا في تاريخنا السياسي الحديث نماذج عدة.
صحيح أن الرئيس إميل إده كان في رأي البعض رجل فرنسا ، لكنه كان جريئاً ونظيف الكف ولبنانيا صميماً وغير طائفي ، وكان قريباً من فرنسا ليس حبًّا بانتدابها على لبنان ورفضاً لاستقلاله ، بقدر ما كان السبب قرب بشارة الخوري من الإنكليز ، وخشية إده من حصول خلل بنيوي على الصعيد الوطني نتيجة عدم نضوج الفكرة اللبنانية لدى البعض.
صحيح أن الرئيس بشارة الخوري سعى إلى التمديد ونجح في ذلك ، قبل أن تطيحه انتفاضة شعبية واسعة ، مع تفشي حالة الفساد والمحسوبيات وتفاقم ظاهرة شقيق السلطان سليم كما عُرف لكن الصحيح أيضاً أنه كان رجلاً وطنياً كبيراً راهن على الميثاق الوطني فتمسك بالاستقلال على الرغم من اعتقاله في راشيا مع رفاقه.
صحيح أن كميل شمعون أتُّهم بأنه انقلب على بعض رفاقه في انتفاضة ال52 على بشارة الخوري ، وتحوّل تدريجا من فتى العروبة الأغرّ إلى أحضان الأميركيين وحلف الناتو ، وأنه كان يريد التمديد واستدرج الثورة الناصرية عليه مع استدراج المارينز إلى شاطىء بيروت،
لكن الصحيح أيضاً أنه كان لبنانياً صميماً عرف كيف يحافظ على علاقاته العابرة للطوائف وشهد عهدُه إعماراً واسعاً وبحبوحة نادرة ، وأصرّ على الدفاع عن كرامة موقع رئاسة الجمهورية ورفض مغادرة قصر القنطاري حتى اللحظة الاخيرة ، مشاركاً في مقاومة المهاجمين بإطلاق النار من نافذته .
صحيح أن فؤاد شهاب اتُّهِم بالعشق السرّي لكرسي الرئاسة حتى آلت إليه خلفاً لكميل شمعون ، بعدما حيّد الجيش عن دوره وعن الصراع الداخلي ، ليُرسيَ نهجاً عُرف باسمه ، وشهد لبنان في ظلّه تفشّي ممارسات المكتب الثاني ،
لكن الصحيح أيضاً أنه كان رجل دولة وباني المؤسسات وإصلاحياً فذاً تميّز بنظافة الكف والابتعاد عن الظهور ، وقد رفض التمديد أقلّه في الظاهر ، وعرف كيف يجمع بين إيمانه المسيحي القوي وبين حرصه على الوحدة الوطنية .
صحيح أن شارل حلو أُلصِقت به تهمة الضعف والمهادنة ، فكان رئيساً افتقد الحزم واستقوى عليه رشيد كرامي ، وسقط في عهده بنك إنترا سقوطاً عظيماً ، وأُبرم اتفاق القاهرة المشؤوم وخضع لوصاية المكتب الثاني ،
لكن الصحيح أيضاً أنه كان رجلاً وطنياً نزيهاً ومثقفاً وديموقراطياً ومارونياً شديد الإيمان ، وأعطى لبنان بُعداً دولياً مهماً ، وحكم في ظل ظروف صعبة . قال غسان التويني مقدماً مذكرات الرئيس حلو : إن اتفاق القاهرة لم يعطِ المقاومة الفلسطينية أكثر مما كانت قد أخذت على الأرض ، لكنه أعطى الحكم اللبناني أكثر مما كان في وسعه المحافظة عليه ، فتأخرت الحرب الأهلية التي كانت مختبئة في العيون .
إنهم رؤساء ما قبل الحرب . ولكلّ نقاط قوته ونقاط ضعفه ، لكنهم كانوا جميعاً بالتأكيد وطنيين ، ولو على طريقة كل منهم .
اليوم ، ونحن في صُلب الاستحقاق الرئاسي ، من حقنا الرهان على رئيس قوي وفيه شيء من جميع هؤلاء ، رئيس قوي ولبناني كما قال الرئيس ميشال سليمان ، ورئيس قادر وفاعل كما أكد مجلس المطارنة الموارنة .
هناك أسماء عدة ، لكن سمير جعجع يبدو في المقدمة . وغداً سيعلن حزب القوات اللبنانية ترشيحه رسمياً ، وسيكون الجميع على المحك ، حلفاء وأخصاماً .
وبعد غد لناظره قريب. والسلام.