آخر ما كان ينتظره الطرابلسيون من الرئيس نجيب ميقاتي «بيان تهنئة» بالخطة الأمنية، بدا أشبه بـ»بيان إدانة» على ما اقترفته حكومة «حزب الله» بحق «المدينة الصابرة»، منذ ارتضى الانقلاب على إرادة أهلها طمعاً برئاستها.
يكاد يكون الضرب في الميقاتي «حراماً»، لكن بيانه الأخير يفتي بـ»حلال» ذلك، بعد أن ذاب الثلج عن حكومته وبان مرجها المليء بويلاتٍ أمنية، أنتجت عشرين جولة عنف في مدينته طرابلس، التي كانت ممثلة بشخصه رئيساً للحكومة وبـ4 وزراء، ناهيك عن الويلات الاجتماعية والاقتصادية التي تفاقمت على مدى ثلاث سنوات من عمر حكومته السيئة الذكر.
العودة إلى أرشيف تصريحات ميقاتي عن «خطط أمنية» لطرابلس تُبين أنها لم تكن سوى «خطط أمنية» على طرابلس، طالما أنها لم تضع حداً لجولات العنف، بقدر ما أمنت استمراريتها، برضى ميقاتي، وبغطاء منه، على حد تعبير مصادر طرابلسية مطلعة تشير إلى أنه «حاول استمالة «قادة القتال»، تمويلاً وتسليحاً، عبر مقربين منه، ليستخدمهم ضد «تيار المستقبل»، قبل أن ترتد هذه المحاولات عليه، تطبيقاً لمقولة طابخ السم آكله!».
ملّ اللبنانيون قبل الطرابلسيين من «الخطط الأمنية» التي كان يعد بها ميقاتي، من دون أن تسلك طريقها إلى التنفيذ، لأن ميقاتي لم يكن «عاجزاً» أو «مغلوباً على أمره» كما حاول أن يوحي دائماً، بل لأنه كان «محكوماً» من «حزب الله» لتنفيذ أجندة الانقلاب، التي بدأت بمحاولة «الإلغاء السياسي» للزعامة الحريرية، واستمرت طوال عمر حكومة ميقاتي بمحاولة «تطويع» المناطق التي تحتضن القاعدة الشعبية لـ»تيار المستقبل»، وأبرزها طرابلس التي كان يراد لها أن تصبح «قندهار»، كما عرسال التي اتهمت بإيواء «القاعدة»، من دون أن نستطرد بسرد الأمثلة، وما أكثرها.
لو اقتصر بيان ميقاتي على «التهنئة» فقط، لكان خيراً، لكن ما تضمنه من «تقية سياسية» لـ»تبرئته» لم يكن خيراً، خصوصاً أنه تزامن مع حملة منسقة «ميقاتياً» على مواقع التواصل الاجتماعي عنوانها تحميل «تيار المستقبل» مسؤولية «نزيف طرابلس»، بدعاية ساذجة تدينه ولا تعينه، فليس خافياً على أحد أن الثمن الذي دفعته طرابلس لم يكن «ثمناً لتجاذبات سياسية» كما يقول في بيانه، بل ثمن تخلّي حكومته عن المدينة طوال ثلاث سنوات، كما أن طرابلس لم تستعمل كـ»صندوق بريد» إلا من جانب من كان يخطفها خدمةً لنظام بشار الأسد ولـ»حزب الله».
أراد ميقاتي أن يفرح بـ»فشل» الخطة الأمنية التي أقرتها حكومة الرئيس تمام سلام، فإذ بالخطة تنجح، وتفضح ميقاتي، وتمنعه من الفرح، بعدما استطاعت حكومة سلام، بعد شهر من انطلاقتها، أن تطفئ ناراً كانت تلتهم طرابلس، وكان يراد منها أن تحرق عرسال والطريق الجديدة، بإشراف الحكومة التي كان يرأسها.
يكاد يكون شعار ميقاتي اليوم «أنا الغريق فما خوفي من البلل». يبدو أنه تعلّم جيداً أسوأ ما يقوم به حزب الله»، وهو الهروب إلى الأمام. فعلاً «الذين استحوا ماتوا»!