ارتفعت اهازيج التهليل لحيوية فائقة مباغتة دبت في اوصال الدولة مقرونة بتصاعد الحمى الرئاسية ونجاح الخطة الامنية في طرابلس نجاحا فاق التوقعات. وعلى وجاهة الوقائع الموضوعية التي تبرر هذه الاستفاقة المفاجئة لاحتواء عوامل التفجير التي كانت تهدد الاستقرار السياسي والامني فان ابواب الاخطار الاجتماعية هذه المرة لا تزال تشكل رأس الحربة في تهديد هذا الاستقرار بدليل اتساع ظواهر النقمة التي واكبت وستواكب الجلسات التشريعية لمجلس النواب.
ولعل اشد عوامل الغرابة في هذا السياق ان يصدر قانون جديد للايجارات القديمة مهددا عشرات ألوف العائلات الفقيرة والمتوسطة الحال وقت تطالعنا الامم المتحدة ببداية العد المليوني الاول للاجئين السوريين بمعدل دخول لاجئ الى لبنان كل دقيقة. ليس في الاعلان الاممي هذا اي جديد مفاجئ بل ان الارقام الواقعية تتجاوز المليون، ولكن الامر يكتسب طابع الصدمة القاسية من خلال التثبيت الرسمي لواقع كارثي غير مسبوق في تاريخ لبنان. كأنه الاعلان المثبت لتحول لبنان بلد اللجوء الاول في العالم مما يثير الشبهة في اللهفة الدولية على استقراره. لا يراد للبنان الانهيار وجرى الضغط الهائل لمنع تفجره لانه اضحى الوعاء الاكبر لاكبر نسبة من اللاجئين. هذا ما يراد له افهامنا مع عدم انكارنا لهذه النعمة الهابطة المسماة استقرارا. ولكن الكارثة حلت وهي الى مزيد فماذا تراهم سيفعلون اهل البيت المبتلى بالزحف الديموغرافي الاغراقي الذي يجتاح لبنان؟
لبنان الـ ١٠٤٥٢ كيلومترا مربعا من دون احتساب الردم البحري الاضافي امسى الآن محشوا بما يفوق الستة ملايين من اهله ومن اللاجئين السوريين والفلسطينيين والعمال الاجانب. فماذا تراها ستفعل الدولة الناهضة بحكومة متوثبة ومجلس نيابي متحفز لتعويض غيابه الطويل بتشريعات على الواقف على غرار قانون الايجارات وسواه؟ ثم اي قيمة لكل برامج علنية او مضمرة قد يطلع بها علينا مرشحون للرئاسة في الاسابيع الطالعة؟ بل أي رئاسة لأي جمهورية في بلد تغير جلده وشكله ومحتواه تغييرا كارثيا غير مسبوق؟
جاءنا زائر اميركي رفيع في هذه الحمأة يستعجل الشروع في التنقيب عن النفط فيما صفوة السلطة عندنا تتناحر حول البلوكات وأولوياتها. واذا كان الامل معقودا على نفط يخرج الى السطح بعد سبع سنوات على الاقل فماذا تراه سيكون عليه ” ذاك ” اللبنان حينذاك ؟ ولمن ستقرع اجراس الاستثمار اذا تحول اللبنانيون اقلية بين المقيمين على ارضه ؟ ثم لماذا هذه الحماسة الاميركية الغريبة للنفط وحده في عز التساؤلات عن الموقف الاميركي من الاستحقاق الرئاسي؟
هل بات علينا ان نخشى نعمة استقرار مزيف هبط فجأة ولا ندري حجم اكلافه وتداعياته كأنه المخدر الذي يسبق شيئا ما نساق اليه مغمضي الاعين؟