منذ أربعين عاماً فقدت انتخابات الرئاسة أهميتها وبرهنتها على حال سياسيّة صحيّة يستعيدها لبنان، بصرف النظر عمّن سيترشح ومن سيمتنع، على الأقلّ هو ترشيح سينقل السجال اللبناني «الميؤوس منه» إلى مساره الصحيح: ما هو برنامج الرئيس؟!
وأودّ أن أقول على هامش هذا الهامش، وكمواطنة لبنانية «غير حزبيّة»، ولا تنتمي لأي تيار سياسي أو حزبي، وألتزم العنوان الكبير لثورة الأرز «لبنان سيّد حرّ مستقلّ»، و»دولة ومؤسسات وجيش»، إنّ إعلان الدكتور سمير جعجع مرشحاً رسمياً لرئاسة الجمهوريّة، هو واحد من الأخبار التي «تسرّ القلب»، وسط حال «كوما» سياسيّة يعيشها لبنان منذ العام 1990 بشكل عام ومنذ العام 2005 بشكل خاص، وأقول: وبصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة، وعن حظوظ «الحكيم» في الوصول إلى قصر بعبدا ونسبتها، إن تنشيط الحياة السياسيّة وإعادة جريان الدورة الدموية في الجسد السياسي اللبناني الـمُتيبّس، سيخرج لبنان من دائرة التجاذب اليومي الذي أتعب اللبنانيين فسئموا من لبنان وسياسيّيه وهم على حافّة الانصراف عن هذا الوطن، بفعل نكبة ضربته فتركته معلّقاً بين السماء والأرض تحت عنوان «الديموقراطيّة التوافقيّة»!!
وكمواطنة لبنانيّة، لا أخفي حماسي لوصول سمير جعجع للرئاسة الأولى، لسببيْن بديهيين، الأول أنه رجلٌ لا يتلوّن ، واضح، رؤيوي، ويملك «منهجيّة» تحكم تعاطيه مع القضايا اللبنانية الشائكة، والثاني: لأنّ سمير جعجع أكد للبنانيين طوال السنوات التسع الماضية أنه «رجل دولة» من طراز رفيع، وقبلها أثبت للبنانيين وطوال أحد عشر عاماً أمضاها في «زنزانة النظام السوري» في وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة، أنه رجلٌ صلب ذو همّة عالية، قادرٌ على التحكّم في الواقع مهما بلغت درجته قساوة، وأنّ أحداً لا يستطيع تطويع قناعاته السياسية بلبنان.
وككثير من اللبنانيين ندرك أن ترشّح سمير جعجع للرئاسة شيء، ودخوله قصر بعبدا رئيساً شيءٌ آخر، ومع هذا كثر يحدوهم الأمل بأن يصل الرّجل للرئاسة الأولى، فهو على الأقل «فاعل» في موقعه لا «منفعلٌ» ولا «تابع» ولا «مفعولٌ به»… فلتأخذ الديموقراطيّة مجراها، بل أكثر من ذلك ، لتتعدّد الترشيحات، وليشاهد اللبنانيّون مناظرات بين المرشحين، ومناقشة حقيقيّة لبرامجهم، فليثبتوا لنا أننا وطنٌ بلغ سنّ الرُّشد، وأنه قادر على إدارة شؤونه بنفسه، وقادر أيضاً على تنظيم خلافاته بنفسه، وهذه واحدة من الأمور الأكثر سوءاً التي يعانيها اللبنانيون بفعل فشل سياسييهم في تنظيم الخلافات اللبنانيّة الداخليّة، بسبب حال «التبعيّة الذليلة» التي تصبغ وجوه كثير من القيادات مع تحوّلات المنطقة وحروبها ونيرانها التي امتدت إلى الثوب اللبناني، وجنوحه نحو التطرّف المذهبي، ما بين أسماء وهميّة تنذر بحريق كبير تحت وطأة أسماء مزوّرة لـ»أحرار السُنّة وأحرار الشيعة»!!
ومن المهمّ بمكان، فهم خطوة ترشيح سمير جعجع للرئاسة ـ على رغم جديّتها العالية ـ بأنها استعادة لصناعة لبنانية للحدث، فقد اعتاد اللبنانيون منذ أربعين عاماً على «تعيين» رئيس لهم حتى بلغوا «أسفل الدَّرْك» مع رئاسيات العام 1998 ووصول «تابع» كإميل لحود إلى قصر بعبدا وبقائه فيه تسعة أعوام بأمرٍ من بشار الأسد…
ومن المهمّ بمكان، فهم أهمية خطوة الدكتور سمير جعجع على أنها تصحيح لمسار خاطئ دخلته الرئاسات الثلاث منذ نجح النظام السوري في فرض حصار شديد على الدولة اللبنانيّة وإدخالها في موت سريري لا تقوم منه ولا تُبعث حيّة من رقدته!!
ترشيح الدكتور سمير جعجع للرئاسة الأولى ليكون «فخامة الحكيم» يجعل القوات اللبنانيّة تنتزع المبادرة من أيدٍ اعتادت على لبس ما يُحاك للبنان وتنفيذ الأوامر على طريقة «نعم حاضر، أمرك سيّدي»، دعونا ندرك خلال الأيام المقبلة أهميّة خطوة «حكيم لبنان»، وبعدها فلننخرط جميعاً في لعبة سياسيّة تنقلنا إلى ضفّة انتخاب «رئيس لبنان» على أساس برنامج سياسي، لا على أساس اختيار الخارج لـ»أهون الشرّيْن»، فقد شبعنا بعد أربعين عاماً من «التلفيق» و»التكاذب»، فلتكن الانتخابات منافسة ديموقراطيّة حقيقيّة، «وصحتيْن على قلب من يربح»، المهم أن يُجدد لبنان حياته السياسية بعد انقطاع دام أربعين عاماً، و»بالمرّة»، دعونا نغتنم فرصة اكتشاف الوجوه الحقيقيّة لحلفاء المرشحين جميعهم و»مين مع مين ومين ضدّ مين»؟!