ولكنّ موقف الحزب لا يُفقد عرض الدكتور جعجع جدّيته، ويُظهر أن المانع الأساس من وصول عون إلى الرئاسة هو «حزب الله» نفسه الذي تجاهل العرض نهائياً، فيما كان باستطاعته، لو كان بهذا الوارد، ردّ التحدي بالقول إنه على استعداد لتقديم تنازلات سياسية مؤلمة في حال التوافق على عون رئيساً، لأنه عبر انتخابه يطمئن إلى وجوده ودوره، خصوصاً أنه شريك أساسي في السلطتين التنفيذية والتشريعية. وبالتالي، مشكلة عون الأساسية هي مع «حزب الله» أولاً وأخيراً.
ويُظهر عرض جعجع أيضاً أن لا قيمة مضافة لعون لدى «حزب الله»، إذ ما أهمية انتقاله إلى بعبدا إذا كان عاجزاً عن تقديم حلول واضحة لأزمتين وطنيتين متفاقمتين: تدخّله في سوريا وتمسّكه بسلاحه، إلّا إذا كان المقصود إيصال رئيس يغطي سلاح الحزب وتدخّله في سوريا، وفي هذه الحال لا يجب أن يتوقع عون ولا الحزب أيّ مهادنة أو مسايرة، لا بل مواجهة سياسية تقطع الطريق أمام أيّ محاولة تهدف إلى تغطية سلطة الأمر الواقع بالسلطة الشرعية.
وتحت هذا العنوان بالذات يندرج ترشّح جعجع الذي قال لـ»حزب الله» صراحة: «خذوا الجمهورية وأعطونا الوطن»، في موقف يؤشّر إلى أنّ الهدف الأساس من ترشّحه هو هدف مبدئي لا سلطوي، وهذا لا يعني أن التنافس السياسي الديموقراطي مسألة فيها عيب أو غير مطلوبة، خصوصاً أنّ أحد أبرز أهداف العمل السياسي الوصول إلى السلطة، وهذا هدف مشروع، فيما الزهد والترفّع والطوباوية لا علاقة لها بالسياسة، وبالكاد مكانها في الأديرة، إنما كلام الدكتور جعجع يعني أن الأزمة في لبنان هي من طبيعة وجودية، وبالتالي تتطلّب مقاربات غير تقليدية، الأمر الذي يحوّل السلطة من هدف سياسي إلى هدف نضالي.
وفي السياق نفسه أتى كلام جعجع عن وجوب حصر المواجهة بالبعد السياسي لا العسكري في رفض مُطلق للعودة إلى ما قبل العام 1990، ولكنّ إقفال أبواب المواجهة السياسية كما حصل مع إسقاط الحكومة الحريرية بالقوة، كاد في السنتين المنصرمتين أن ينقل الطائفة السنية من موقعها الطبيعي كطائفة اعتدال إلى طائفة متطرفة ومدججة بالسلاح. وبالتالي، من مصلحة «حزب الله» عدم إقفال منافذ الصراع السياسي التي دَلّت التجربة أنها دفعته إلى رفع يده عن رئاسة الحكومة تجنّباً للفتنة المذهبية.
ومن هذا المنطلق المطلوب رفع اليد عن رئاسة الجمهورية، والكف عن التعاطي مع الرئاسة الأولى وكأنها ملك سائب أو مشاع، حيث يتمّ اختيار الرؤساء من دون العودة إلى إرادة المسيحيين، هذه الإرادة التي تمّ التعبير عنها بشكل واضح وصريح من جانب بكركي والقيادات المارونية الأربعة بأنّ أيّ رئيس يجب أن «يستمد دعمه من المكوّن الذي ينتمي إليه، فيكون معبّراً عن وجدان المسيحيين وثوابتهم الوطنية ومستعيداً دورهم».
وإذا كان الهدف من وراء وضع هذه القاعدة إسقاط الحجة القائلة إن الانقسام المسيحي بين قوّتين متوازنتين يحول دون الإتيان بشخصية تمثيلية وترجيح اختيار رئيس توافقي، إلّا أنّ أول خرق لهذه القاعدة جاء من قبل إحدى الشخصيات الأربعة في بكركي عندما هدّد العماد عون «المستقبل» من مغبّة انتخاب الدكتور جعجع، وهذا الموقف هو برسم البطريرك الراعي الذي عليه أن يسمّي أمام الرأي العام كل طرف يخرج عن هذه القاعدة أو القاعدة الأخرى المتصلة بنصاب جلسة الانتخاب.
فالتوافق الذي تمّ في بكركي هو سيف ذو حدين: إيجابيته المشتركة لدى الطرفين المسيحيين المتنازعين أنه يعيد الاعتبار إلى المرشحين التمثيليين، وسلبيته لدى كلّ منهما أنه يفسح في المجال أمام إيصال خصمه اللدود. وبالتالي، على الفريقين إمّا تجرّع هذه الكأس لفتح الباب لوصول أحدهما إلى الرئاسة الأولى، أو إقفال هذا الباب والذهاب نحو المرشحين الوسطيّين. فإمّا تنطبق هذه القاعدة على جعجع وعون، وإمّا لا تنطبق على أيّ منهما، وسيتحمّل الطرف الذي يجهض هذه القاعدة فرصة إعادة الاعتبار لدور المسيحيين داخل السلطة بدءاً من رئاسة الجمهورية.
