تحوّل مطلب تثبيت عناصر الدفاع المدني قضية وطنية بامتياز، بعدما تخطَّى الإطار المطلبي لفئة محدّدة من الشعب اللبناني، هذه الفئة التي تطالب بالإنصاف وبنيل حقوقها لا أكثر ولا أقلّ.
عند اندِلاع حريق، أو تعرّض أحدهم للغرق، أو حصول كارثة طبيعيّة، يتَّصلون سريعاً بالدفاع المدني… إنّهم الرجال الذين ينقذون حياة البشر، فيسحبون الناس من الحرائق، يصعدون السلالم الى الطوابق العليا، يُخاطرون بحياتهم، يغطسون الى قعر البحار اذا فُقد أحدهم، يركضون في الليالي تحت الثلوج لإنقاذ السيارات العالقة، يساعدون جميع الناس لكن أحداً لا يساعدهم. مطلبهم بسيط وصرختهم واحدة «نريد التثبيت».
منذ نحو 12 عاماً، طلب وزير الداخلية الياس المر آنذاك تثبيت متعاقدي الدفاع المدني، وخاض معركة من أجل تحقيق مطالبهم. وبعد 12 عاماً تقريباً، تعالت الصرخة مجدّداً، فعل يُعقل أن يكون عناصر الدفاع المدني غير مثبّتين في دولة تحترم نفسها وشعبها؟
تُعتبر قضية تثبيت الدفاع المدني قضيّة إنسانية بامتياز، فالعنصر الذي ما زال في السلك لا تصله حقوقه، فكيف الحال إذا تقاعد، فلا معاش تقاعدياً ولا تعويضاً، خصوصاً أنه يواجه مخاطر كبيرة أثناء قيامه بمهمّاته الإنقاذيّة الإنسانية.
المشنوق يستردّ القانون
شكّل طلب وزير الداخلية نهاد المشنوق إسترداد إقتراح القانون الذي يرمي إلى تنظيم المديرية العامة للدفاع المدني، ومن ضمنها تثبيت المتطوّعين، لأن لديه ملاحظات معيّنة عليه، الشرارة التي أشعلت الإحتجاجات في كل لبنان، فنزل عناصر الدفاع المدني الى الطرق وقطعوها، ونفَّذ المتطوعون إعتصامات رمزية أمس، فقطعوا طريق نهر الموت – جل الديب، وطريق الشام قبل مستديرة عاليه. واعتصموا امام المراكز الإقليمية في النبطية، وصيدا، والمنية، حيث وزّعوا الحلوى والورود على المارة، وشاركهم الإعتصام النائب كاظم الخير، ورؤساء بلديات من المنطقة.
الوزير يُسرّع
وأمام الضغط الذي مارسوه، إتصل المشنوق بالأمانة العامة لمجلس النواب، وأبلغ إليها استعداده لمناقشة ملاحظاته على قانون الدفاع المدني، مؤكداً أن «حقوق المتطوّعين والموظفين والأُجَراء محفوظة بالكامل، تحت سقف القانون بما يحقق العدل للجميع، للخزينة العامة من جهة ومجموع المنتسبين الى الدفاع المدني من جهة أُخرى». وفي هذا الإطار، قال المشنوق لـ»الجمهورية»: «لقد التزمت بمهلة الأسبوع التي طلبتها وأنهيت درس قانون الدفاع المدني، وأنا جاهز لمناقشته في الجلسة العامة هذا الأسبوع، ولا مشكلة إطلاقاً في حقوق المتطوّعين والأجراء والموظفين».
تعداد المشاكل
عبد المعطي، أحد الناشطين في الدفاع المدني يروي لـ»الجمهورية» مأساته فيقول: «تطوّعت منذ العام 1999، وهناك من هم متطوّعون منذ 20 عاماً ولم يتم تثبيتهم حتى الآن، وهناك نحو 3000 متطوّع في كل لبنان يفدُون الوطن بدمائهم، وأصغر موظف في الدفاع المدني يبلغ من العمر 49 عاماً، فكيف يمكنه حمل العدّة التي يبلغ وزنها 30 كيلوغراماً؟».
«مطالبنا واضحة ومحقة، وهي تثبيت المتطوّعين، مع الحق في الحصول على الضمان الإجتماعي فضلاً عن المردود المالي».
بهذه الكلمات يختصر المعطي مَطالب العناصر، مشيراً الى أنه «ومنذ الثمانينات ليس هناك دورة توظيف للدفاع المدني، وفي العامين الأخيرين أصبح هناك أكثر من مشروع قرار توظيف للدفاع المدني صاغه قضاة من مجلس شورى الدولة، وهذا الموضوع سار وفق الإجراءات المتَّبعة، وقد التأمت اللجان لمناقشته ووافقت عليه». أضاف: «يوم الأربعاء الماضي كان من المفترض إقرار المشروع في الجلسة التشريعية، لكنّ وزير الداخلية سحبه، وبعد الضغط الذي مارسناه، أعطى رئيس مجلس النواب نبيه برّي وزير الداخلية أسبوعاً لوضع ملاحظاته»، مؤكداً أنّ «تحرّكاتنا سلمية وحضارية، والدليل ما نقوم به على مختلف الأراضي اللبنانية لدعم مشروعنا، فقد نظّمنا أمس حواجز محبة ووزّعنا الورود والسكاكر والملصقات، وهذا التحرّك جمعنا نحن مصاريفه بجهود فردية».
إعتصامات
وفي هذا الإطار، يُنفّذ عناصر الدفاع المدني اليوم إعتصاماً مفتوحاً في الرملة البيضاء إبتداء من الثامنة صباحاً، ومن المفترض وضع خيمة في المكان حتى يوم الأربعاء، موعد الجلسة، وستستمر عمليات الدفاع المدني على الأراضي اللبنانية كافة بالتزامن مع الإعتصام.
أما الأربعاء، وعند التاسعة والنصف صباحاً، أيّ قبل موعد بدء الجلسة بنصف ساعة، سينزل المتطوع يوسف الملاح برفقة فريق الى البحر للإعتصام، ويقول: «إذا لم نَنل مطلبنا، سنذهب إلى البحر، فربّما الأسماك أولى بلحمنا… تكفينا ابتسامة وكلمة يعطيكن العافية»، مؤكداً أنه «سيبقى في البحر حتى يأتي خبر إقرار المشروع، وفي حال لم يقرّ فلن أعود».
المال والموازنة
وبين وزارة المال ولجنة المال والموازنة، يتطلّع المتطوعون بحذرٍ الى ما ستؤول اليه الأمور. وفي هذا الإطار أكد عضو لجنة المال والموازنة النائب فادي الهبر لـ»الجمهورية»، أنّ «مجلس النواب لا يُراوغ في قضية الدفاع المدني، لكن هناك تأخيراً لأنه ملف كبير، وقد طلبنا من المدير العام للدفاع المدني تزويدنا بأسماء الضباط والعناصر والمتطلبات التي يحتاجها الدفاع المدني، لأن هذا مشروع ضخم وملف وطني يجب حلّه، في وقت يمرّ لبنان بكوارث طبيعية وحرائق، وتكتظّ المدن بالسكان».
ولفت الهبر الى أنّ «المجلس ينتظر انتهاء الملفّ الذي طلبه من المدير العام للدفاع المدني ليباشر عمله، وكلما أسرع في تسليمنا إياه يصبح إقرار المشروع أسهل»، مؤكداً وجود «رغبة عند مختلف الكتل لإقرار هذا المشروع، علماً أنه سيقرّ على مراحل، تماشياً مع قدرات الدولة اللبنانية».
إلى ذلك، لا يجرؤ أيّ من الكتل على معارضة هذا المشروع، وقد أكد عضو كتلة «المستقبل» النائب عمّار حوري لـ»الجمهورية» أنّ «الأربعاء المقبل سيكون يوماً حاسماً بالنسبة الى مشروع الدفاع المدني، حيث من المفترض إقراره»، نافياً وجود مشكلة، «لكنّ وزير الداخلية طلب استمهاله لدرس إمكان إدخال بعض التعديلات عليه، لأنّ تثبيت العناصر جزء من مشروع تطويري أكبر، وهو إعادة هيكلة مؤسسة الدفاع المدني». وشدّد على أنّ «أياً من الكتل لا يعارض هذا المشروع، إنما عناصر هذه المؤسسة تخوّفوا من المماطلة في إقرار تثبيتهم، لذلك، صعّدوا تحرّكهم».
بدوره، أوضح عضو كتلة «التنمية والتحرير» النائب ميشال موسى لـ»الجمهورية» أنّ «مشروع قانون تثبيت عناصر الدفاع المدني يحتاج الى درس أكثر، ومن المرجح إقراره في جلسة الأربعاء، لأن لا مانع جدياً يحول دون ذلك»، معتبراً أنّ «كلّ الكتل مع تثبيت المتطوّعين، لأن قضيتهم محقّة وهم يخاطرون بحياتهم لإنقاذ المواطنين».
ويُعتبر الدفاع المدني من أهم الأجهزة في الدول الحديثة والمتطوّرة، فهو يحظى بكامل الإهتمام، وتملك فرقه وسائل متطورة للعمل مثل الطائرات، من هنا على الدولة اللبنانية بذل كل ما في وسعها لتثبيت عناصر الدفاع المدني، لأنه مطلب حقّ يساندهم فيه كل الشعب اللبناني، والتخاذل عن هذه الخطوة غير مقبول في بلد تكثر فيه الكوارث.