تحالف “المستقبل” – “القوّات”… وجهة نظر

كان لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 ارتدادات كثيرة تركت آثارها العميقة والجذريّة في كلّ مظاهر الحركة السياسيّة في لبنان بل تعدّتها إلى الخارج حتّى، ليصحّ القول عند الحديث عن تاريخ لبنان الحديث عن مرحلة ما قبل استشهاد الحريري ومرحلة ما بعد استشهاده. وكانت التحالفات التي نشأت بعد 14 شباط إحدى أبرز هذه الارتدادات، والتي بها نحصر حديثنا.

تحالف قائم على أساس رؤية شاملة حول القضايا الوطنية والقومية

ولا شكّ في أنّ تحالف «المستقبل – القوات» كان من أهمّ هذه التحالفات وأكثرها تأثيراً، وذلك لما تمثّله هاتان القوّتان؛ ومن هنا كان هذا التحالف مستهدفاً بشكل عنيف ودائم من المحور الإيراني المسيطر على قوى «8 آذار» وكانت محاربته الشغل الشاغل لإعلامه بقصد زعزعة هذا التحالف أو النَيل من تماسكه، بحيث لم يترك وسيلة من وسائل الدَسّ والحرب النفسيّة إلّا استعملها.

وكان من الطبيعيّ أن تشتدّ هذه الحملة على تحالف «المستقبل – القوات» في مرحلةٍ ما قبل الاستحقاق الدستوري بانتخاب رئيس للجمهوريّة، نظراً لما لهذا الاستحقاق من أهمّية في رسم سياسة لبنان المستقبليّة.

إنّ ما ينبغي قوله بدايةً إنّ ثمّة قناعة عند جمهور «المستقبل»، ويمثّل السنّة عموده الفقريّ، بأنّ تحالف سعد الحريري وتيّاره مع سمير جعجع وحزبه، الذي يشكّل الموارنة عموده الفقري، ليس تحالفاً مرحليّاً أو مزاجيّاً أو تحالفاً يقتصر على مكاسب سياسيّة محدودة لكِلا الفريقين؛ بل إنّ هذا التحالف كان نتيجة نظرة موحّدة في العمق إلى فكرة الدولة وفكرة الوطن والمخاطر المحدِقة به، وفكرة السيادة اللبنانيّة مع الانتماء العربي، واحترام التعدّدية والحرّية والنظرة إلى ضرورة أن يكون السلاح محصوراً في يد القوى الأمنيّة الشرعيّة من جيش وقوى أمن، مع النظرة الأكيدة إلى اعتبار فلسطين قضيّة العرب المركزيّة واعتبار المحتل الإسرائيلي عدوّاً للعرب ولبنان.

شعار «لبنان أوّلاً»

لم يكن شعار «لبنان أوّلاً» الذي رفعه سعد الحريري محاباةً لأحد أو ردّة فعل معيّنة، كما لم يكن طرح الانتماء العربي عند سمير جعجع مجرّد إرضاء للجوار؛ ولم يكن «لبنان أوّلاً» يعني التخلّي عن الانتماء العربي عند الحريري، كما لم يكن الانتماء العربي يلغي «لبنان أوّلاً» عند جعجع، بل هو تحصين وتعزيز له.

هذه القناعة المشتركة زادها تماسكاً ما يجري في لبنان وفي المنطقة العربيّة المجاورة من محاولات إيرانية كثيفة، سواءٌ مباشرة أو عن طريق القوى التابعة لها والتي أمدّتها بكلّ ما يلزم من وسائل القوّة لفرض هويّة إيديولوجيّة جديدة للبنان والمنطقة على حساب الهوية الوطنيّة والعربية.

لقد سعى المحور الإيراني وأدواته من قوى «8 آذار» إلى تصوير هذا التحالف بين «المستقبل» و»القوات» على أنّه تحالف سنّي – مارونيّ يعيد إلى الأذهان مشروع بشارة الخوري ورياض الصلح، في وقت يتصوَّر فيه هذا المحور أنّ الظروف اليوم لصالحه بحكم امتلاكه قوّة السلاح، وأنّ هناك موازين جديدة يجب أن يكرّسها هذا السلاح غير الشرعي.

وقد عمد أصحاب هذا المشروع إلى اختراق الصفّ المارونيّ ووُفِّقوا بالعماد ميشال عون مستغلّين طموحه الدائم لرئاسة الجمهوريّة، فكان ما سُمّي ورقة التفاهم بين «حزب الله» والتيار العونيّ في كنيسة مار مخايل، حيث أصرّ السيّد حسن نصرالله على طبع قبلة إضافيّة على خدّ العماد عون.

وحاولوا اختراق الصفّ السنّيّ لإضعاف الرئيس سعد الحريري فكان الفشل حليفهم، لأنّ ما جمعوه حولهم ممّا يسمّى شخصيّات وقوى سنّية كانت على أرض الواقع وهميّة وهزيلة حتّى في أعيُن أصحاب المشروع أنفسهم. وهذا ما دفعهم إلى ما هو أخطر، وذلك بمحاولة إنهاك الساحة السنّية بتسليح مجموعات داخل البيئة السنّية من صيدا إلى طرابلس مروراً بالطريق الجديدة وغيرها، كما حاولت تصوير هذه المناطق إضافة إلى عرسال بؤراً للإرهاب، لإثارة الفتن وصرف النظر عمّا يخطّط له هذا المحور.

وقد رأى أصحاب هذا المحور في لقاء سعد الحريري بميشال عون فرصة لنشر الإشاعات وتضخيم الأمور، واعتبار أنّ هناك تحوّلاً في التحالفات وتباعداً بين الحريري وجعجع لصالح التقارب بين الحريري وعون، وذلك على أبواب الانتخابات الرئاسيّة.

ذاكرة الشارع السنّي

إنّ خمس محطّات سياسيّة وأمنيّة لا تفارق ذاكرة الشارع السنّي وذاكرة سعد الحريري قبل غيره، ولا يمكن لأيّ تحالفات أن لا تأخذها في الاعتبار لأنّها ليست بالأمور العابرة:

1- لا ينكر أحد أنّ رجوع ميشال عون من منفاه الباريسي وخروج سمير جعجع من سجنه بعد 11 عاماً كان العامل الأوّل فيهما دم الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005.

وفي حين كان جعجع وفيّاً لدم الشهيد ومسيرة 14 آذار وثورة الأرز، لم يكتفِ عون بالانشقاق عن «14 آذار» والتنكّر لدم رفيق الحريري، بل أوغل في العداء لسعد الحريري ووصل به الكره إلى التطاول على الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ثمّ توسّعت دائرة الكره عنده إلى بيئة رفيق الحريري، فأصبح كلّ مركز كبير في الدولة يتولّاه سُنّي هدفاً للتجريح والتشكيك والعداء، من رئاسة الوزراء إلى المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي إلى فرع المعلومات، وصولاً إلى شركة طيران الشرق الأوسط وهي من أنجح مؤسسات الدولة، وذنبُها الوحيد أنّ على رأسها رجلاً من أنجح المديرين ولكنّ علّته أنّه بيروتيّ سنّي.

هذا المناخ الذي سعّرته قوى «8 آذار» ضدّ بيروت وسعد الحريري وما يمثّل شكّلَ ثقافة عدائيّة كانت تمهّد لما جرى بعد ذلك من مجريات خطيرة، وكان عون يعطي التغطية المسيحيّة المطلوبة لذلك، في حين كان جعجع في موقع المتصدّي لهذه الحملة العدائيّة ضدّ الحريري وما يمثّل.

2- لا ينسى البيروتيّون واللبنانيون كيف احتلّت ميليشيات «8 آذار» وسط العاصمة بيروت لسَنة ونصف السنة وأفرغت كلّ حقدها على بيروت وما تمثّله، وكيف حاصرت هذه الميليشيات السراي وكان بداخلها الرئيس فؤاد السنيورة ومعه وزراؤه، وكيف كانوا يهدّدون دائماً باقتحامها وقتل من فيها، وذلك بروح عدائيّة غير مسبوقة.

في كلّ ذلك كان عون رأس الحربة، وكان يشكّل الغطاء المسيحيّ في هذا الاحتلال والحصار لوسط بيروت والسراي. وهنا لا ينسى جمهور الحريري الموقف الوفيّ والشجاع لجعجع الذي خاطر بنفسه أكثر من مرّة وزار السراي في موقف يدلّ على صلابة وصدق التحالف مع «المستقبل».

3- لكنّ المحطّة الأكثر سواداً في ذاكرة البيروتيين وجمهور الحريري، كانت ما قامت به ميليشيات «حزب الله» وحلفاؤها يوم السابع من أيار 2008، حين غزت بيروت وقتلت أبناءَها وخرّبت منشآتها وأحرقت مؤسساتها الإعلاميّة والصحّية والثقافية والاجتماعيّة، في تعبئة مذهبية بغيضة، وكأنّ ما كان يُسمّى قبلها المقاومة قرَّرت أن توجّه بندقيتها منذ ذلك اليوم نحو الداخل مُنهيةً كلّ أشكال التعبئة ضد العدوّ الصهيوني.

وهنا أيضاً، وفي مثل هذه المواقف المأساوية يُعرَف الأصدقاء. هنا وقف جعجع وقوى «14 آذار» وقفة الصف الواحد أمام آلة السلاح والبطش الغادر، وكان عون متشفّياً بما حدث لبيروت، وخصوصاً لوسطها الذي طالما هدَّد العماد بإحراقه بالبنزين مباركاً لحليفه «حزب الله» انتصاراته في ذلك «اليوم المجيد»!

4- هل ينسى جمهور رفيق الحريري ما تمّ من غدر وكيد في إسقاط حكومة سعد الحريري والإصرار على أن يدخل البيت الأبيض رئيساً ويخرج منه وقد أسقطت حكومته؟! وهل ننسى مواقف كلّ من جعجع وعون من القمصان السود ومن عملية الغدر تلك، وهل ننسى أنّ عون ظنَّ أنّ حلمه قد تحقّق بأن قطع لسعد الحريري بطاقة سفر (وان واي)؟!

5- ولكنّ الأمر الأهمّ في رأيي كان الموقف الذي اتّخذه كلّ من عون وجعجع من الثورة السورية، وتحديداً ما أُثير من حلف للأقليات الدينيّة في وجه المكوّن الأساسي لسوريّا وللعرب، أي للسُنّة.

المحور الإيراني

فقد انضمّ عون إلى منظومة المحور الإيراني، في تصوير أنّ هناك خطراً على المسيحيين في سوريا والشرق، ممّا أطلقوا عليهم بالتكافل والتضامن مع الإعلام الأميركي والإسرائيلي المجموعات التكفيرية وهم يقصدون بثقافة التقيّة عندهم السُنّة.

ولم يبقَ أمام عون إلّا أن ينفخ ببوق الجهاد لنصرة المسيحيين في سوريا، الذين عاشوا – فقط للتذكير – طوال تاريخهم في سوريا والشرق مع المسلمين بصفتهم أحد مكوّنات الأمّة لا إحدى أقلّياتها، كما يصوّر البعض، يصيبهم ما يصيب بقيّة المكوّنات.

وهنا نذكر الموقف التاريخي لجعجع بصفته رئيس حزب مسيحيّ فاعل لا يمكن لأحد أن يزايد عليه في مسيحيته ومارونيته والحِرصِ على مصير ومصالح طائفته في لبنان وسوريا وبقيّة الدول العربية خصوصاً.

من معراب، أطلقَ جعجع موقفه هذا، في مؤتمر ينفي بالوثائق والمنطق أن يكون هناك خوف على المسيحيين من المسلمين، بل الخوف والخطر من المتاجرين بهذا الخوف على حساب التاريخ والمستقبل.

إنّ هذا الموقف لا يمكن لسعد الحريري والجمهور العربي والسنّي إلّا أن يعتبروه حجر زاوية في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين على امتداد الساحة العربية، وأن يكون أساساً لأيّ تحالفات تقوم على منطق التاريخ والمصلحة القومية والوطنية، لا على أساس التسعير الطائفي والمذهبي، كما أراد عون والمحور الإيراني.

هذه النقاط وغيرها أراها كافية للاعتقاد بأنّ تحالف «المستقبل – القوات» قائم على أساس رؤية شاملة حول القضايا الوطنية والقومية، وأنّ تعليقاً من هنا أو دسّاً إعلاميّاً من هناك لن يثير قلق الحريصين على مصلحة لبنان بتبدّل التحالفات، بلا أن ننكر على كلّ الأطراف حرّية الحركة السياسية في ظروف معيّنة ضمن الثوابت الوطنيّة التي رسّختها دماء الشهداء وتضحيات المواطنين.

لا أريد من كلّ ذلك الدفاع عن جعجع أو التجريح بغيره، ولكن أردتُ أن أذكر حقائق في وجدان الشارع السنّي المؤيّد للحريري، غيرَ غافلٍ عمّا يمكن أن يُقال عن سمير جعجع، من دوره في الحرب الأهليّة اللبنانيّة، إلى اتّهامه باغتيال الرمز الكبير للبنان والسُنّة الرئيس الشهيد رشيد كرامي.

أمّا لجهة الأمر الأوّل، فجعجع مثله مثل أهمّ السياسيين الذين يحكمون البلد اليوم والذين شاركوا في هذه الحرب الأهلية وتلطّخت أيديهم بالدماء ونال السُنّة منهم من الأذى ما لم ينالوه من جعجع.

أمّا عن الأمر الثاني، فلا أحد يُشككّ بأنّ الرئيس الشهيد رشيد كرامي والرئيس الشهيد رفيق الحريري هما أحبّ شخصيّتين عند السنّة، وأن فجيعة هؤلاء بالرئيس كرامي لا تقلّ عن فجيعتهم بالرئيس الحريري، وأنا كسُنّيّ شماليّ ليس في ذاكرتي شخصيّة أحبّ من رشيد كرامي، وأجزم أنّ الغالبية العظمى تحمل الشعور نفسه، وكان يوم اغتياله وما زال موقد وجع في قلوبنا لا ينطفئ.

غير أنّ إحساساً يستقرّ في أعماق نفوس السنّة هو أشبه بالقناعة التي تتجاوز الكثير ممّا قيل وكُتب، بأنّ من اغتال رشيد كرامي هو نفسُه من اغتال رفيق الحريري وقبله كمال جنبلاط وحسن خالد وصبحي الصالح وناظم القادري وغيرهم.

قبل اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي بيوم واحد، كنتُ عنده مع مُحبّين كثر له في بقاعصفرين لتهنئته بالعيد، وكان مفعماً بالأمل بقرب نهاية المأساة اللبنانيّة وأنّه يحمل مشروعاً للمصالحة سيقدّمه في اليوم الثاني، أي يوم الإثنين. وكنتُ صبيحة ذلك اليوم في قريتي بالكورة عندما مرّت طائرة الهيلوكوبتر التي تقلّ الرئيس. وبعدها بدقائق بدأت ترِدُنا أخبار سقوط الطائرة وأدركتُ ساعتها أنّنا فقدنا الأمل وفقدنا أعزّ الرجال.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل