#adsense

أيها الساعون إلى رئاسة الجمهورية: ترشّحوا، واعلنوا برامجكم (السفير زيدان الصغير)

حجم الخط

كتب السفير زيدان الصغير في “النهار”:

أعلن حزب القوات اللبنانية ترشيح رئيسه الدكتور سمير جعجع لمنصب رئيس الجمهورية ووعد بأن يعلن في موعد قريب برنامجه الرئاسي. كثيرون يعتبرون أن الترشح المبكر للمنصب من قبل أي سياسي هو حرق أوراق هذا المرشح السياسي، ولهذا يعزف الراغبون في المنصب عن الترشح حفظا لأوراقهم من الاحتراق.
الدستور اللبناني لم يتكلم على الترشح لهذا المنصب، فالمواد التي تتكلم عن انتخاب الرئيس وهي المواد 49 و 73 و74 و 75 لم تتكلم على الترشيح لهذا المنصب، فقط المادة 49 تكلمت في فقرتها الثانية عن شروط الانتخاب وجددت شروط الترشح بالتي تؤهله للنيابة”، فلم يفرض على المرشح، كما في مصر مثلا، عددا معينا من التواقيع أو نسبة تمثيلية في البرلمان، أو كما هي الحال في الولايات المتحدة أو فرنسا حيث يتقدم الحزب بترشيح رئيسه، كما فعل حزب القوات اللبنانية.
بالنسبة الى المواطن اللبناني العادي أيهما أفضل بين المرشحين لرئاسة الجمهورية؟ المرشح الذي يعلن ترشيحه وبرنامجه ويعلن التزامه البرنامج، ام المرشح المكتوم وغير الملتزم بأي برنامج إلا ما يلتزمه في الغرف المغلقة أمام من يدعم ترشيحه توسلا (بالسين) للوصول إلى المنصب؟
بالنسبة الى المواطن العادي، سواء أكان يؤيد هذا المرشح أو يعارضه، فهو يفضل المرشح الذي قدم ترشيحه وأعلن برنامجه الذي سيلتزمه أمام الشعب أكثر من المرشح المكتوم. وأستعمل عبارة المرشح – المكتوم لأنها أقرب إلى الدقة والواقع، لأن وجود مرشح واحد للمنصب الرئاسي لا يعني فوزه بالتزكية، كما هي الحال في الانتخابات النيابية، لأن هنالك مرشحين غير معلنين أي مرشحين مكتومين
أما بالنسبة الى الزعماء السياسيين، وأقصد رؤساء الكتل التي ستنتخب الرئيس، أو تلك التي يكون لها دور في انتخابه، فإنهم يفضلون المرشح المكتوم، حيث يسهل التفاوض معه وفرض الشروط والحصول منه على الوعود والالتزامات، بل التنازلات لمنحه بركة تأييدهم. وهنا يلعب التشاطر اللبناني والتذاكي الذي نفتخر به دوره في الابتزاز، فمن يكذب على من، لجهة الوعود؟ ومن يرضي من، لجهة التعهدات؟ وبالتالي تفقد الرئاسة قيمتها المعنوية وتصبح ميدانا للمناورات وسلعة يريد الزعماء قبض حصتهم من ثمنها.
غبطة البطريرك بشارة الراعي ناشد الرئيس نبيه بري ان يدعو المجلس الى عقد جلسات انتخابية لكي يتبلور عبر الاقتراع والتشاور شخص الرئيس المقبل. كم كنت أتمنى أن يقرن غبطته دعوته بدعوة الراغبين من الزعماء الموارنة في الترشح الى منصب رئيس الجمهورية والذين اجتمعوا به في الصرح البطريركي، إلى أن يعلنوا ليس ترشيحهم لهذا المنصب فحسب، بل ليعلنوا أيضاعلى الشعب اللبناني برنامجهم الذي سيعتمدونه في حال تبوئهم سدة الرئاسة، فغبطته يريد رئيسا قويا وجميع الزعماء الموارنة يريدون الرئيس قويا، وأعتقد أن الرئيس القوي هو الذي يأتي لينفذ برنامجا التزمه متجاوزا ابتزاز الآخرين ومتحرارا من أي التزامات أو تعهدات تحرجه، بل تضعفه
سمة الديموقرطية هي المنافسة، ويحضرني هنا ما رواه الأستاذ غسان تويني عن ريمون إده، عند إحياء ذكراه في الجامعة اليسوعية ( عدد “النهار” في 12/5/ 2005) :” قال غسان تويني انه يريد ان يروي ما يمثل عصارة أمثولة العميد في التصرف الديموقراطي، خصوصاً ان شريعة ريمون اده كانت في التصرّف لا في النظريات”.
“الحدث الأول يتناول ترشيح ريمون اده لرئاسة الجمهورية ضد اللواء فؤاد شهاب في انتخابات 1958، فأوضح انه ( أي غسان تويني) كان في طليعة الذين حاولوا ثني العميد عن الترشيح، على ما كان بينهما من روابط التأييد. ورد العميد على حجة غسان تويني بضرورة تأمين اجماع على الرئيس الذي سينتخب: “يا عيني عليك شو بتفهم بالديموقراطية… أنا فاهم ان شهاب صار في حكم المنتخب، ولكنني أترشح اياً كانت الأصوات الاقلية التي سأنال، بالذات حتى يثبت في المحيط العسكريتاري العربي، ان قائد الجيش اللبناني يترشح في المجلس بدل القيام بانقلاب، وان ثمة نواباً لا تزال لهم حرية الاقتراع ضد ترشيحه، ولو كانت ثمة أكثرية تؤيد هذا الترشيح الذي جاء وليد توافق دولي – اقليمي”.
فالعميد ريمون إده رغم علمه بالتوافق الدولي- الاقليمي على انتخاب عسكري أي اللواء فؤاد شهاب لمنصب رئيس الجمهورية، قرر أن يعطي الأنظمة العسكرية الحاكمة في محيطنا العربي درسا في الديموقراطية، ومع هذا فلم ينل الرئيس شهاب الاكثرية النيابية المطلوبة في الدورة الأولى، وأجريت دورة اقتراع ثانية فاز بنتيجتها اللواء شهاب بالأكثرية “المطلقة” (أي البسيطة) وليس بأكثرية الثلثين.
هذا عندما كان للرئاسة رجال يحترمونها مثل ريمون إده، أما اليوم فإن المرشحين يبقون مكتومين ولا يعلنون ترشحهم إلا إذا ضمنوا في الكواليس أكثرية الثلثين. ولكن كيف؟ ومقابل ماذا؟ الله أعلم.
وأنهي هذه المقالة كما أنهى غسان تويني مداخلته في ذكرى ريمون إده فأتساءل : ” كم من السياسيين، ولاسيما الزعماء، كانوا اليوم يتصرفون على هذا النحو؟”

المصدر:
النهار

خبر عاجل