مرة جديدة تكون مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي، موضع جدل ونقاش واستفسار وتساؤلات من اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، والموارنة تحديداً، وينقسم الجميع الى ثلاث فئات، فئة ترفض، وفئة تقبل، وفئة تفسّر مواقفه المستجدة وفق اهوائها ومصالحها، وآخر مواقف البطريرك الراعي استبعاده انتخاب رئيس للجمهورية من فريقي 8 و14 آذار، ودعوته الى انتخاب رئىس يكون توافقياً ومقبولاً من الشعب وقادراً على جمع الاطراف المتناحرة، وان لا يثير انتخابه ازمة جديدة تضاف الى الازمات القائمة، اما تعريفه الجديد للرئيس القوّي فقد جاء على الشكل الآتي: ان يكون قوياً بأخلاقه وتاريخه وتجرّده وايمانه بالدولة، وبعلاقاته العربية والاقليمية والدولية.
هذه الصيغة الجديدة للرئيس الجديد الذي يحلم به البطريرك الراعي تتناقض في كثير من جوانبها مع تعريفه السابق لشخصية الرئيس المقبل، كما تتناقض مع روحية الاجتماعات التي عقدت في بكركي برئاسته ووجوده، وما صدر عنها من بيانات ومعلومات، وخصوصاً البيان الأخير الذي عقد بحضور ثلاث قيادات مارونية، وغياب الرابع لاسباب امنية، كان الراعي يعتبرها المرشحين الوحيدين الاقوياء، نسبة الى تمثيلهم الشعبي الواسع، وقد تم استبعاد جميع المرشحين الاخرين عن هذه الاجتماعات، واكتفى البطريرك الراعي بحضور الرئيس السابق امين الجميل والنائب ميشال عون والدكتور سمير جعجع، والنائب سليمان فرنجية، والاربعة يتوزعون سياسياً وانتساباً الى فريقي 8 و14 آذار، وتصريحه الاخير، يقفل الباب في وجوههم عندما يستبعد انتخاب رئيس من 8 او14 آذار، وكأنه بذلك يقفل اجتماعات بكركي ايضاً، لتحل محلها اجتماعات اخرى تضم مرشحين «توافقيين» لا يثيرون ازمة جديدة، ولا بأس اذا كانوا لا يتمتعون بشعبية مؤثرة طالما انهم يتمتعون بمواصفات القوة التي حددها الراعي من جديد.
حتى كتابة هذه السطور، لم يكن احد من الاقطاب الاربعة الاقوياء «سابقاً»، قد علّق على تصريحات البطريرك الراعي الجديدة، وكأنهم ـ كالعادة ـ ينتظرون تفسيراً لها او توضيحاً او نفياً او تأكيداً، خصوصاً ان الشائعات والاقاويل والمعلومات غير المؤكدة، تشير الى ان الراعي قد يكون «ينام على طبّتين» الطبّة الاولى لمرشح لا يتم تداول اسمه الا قليلاً، وهو وزير سابق ومقرّب من الراعي، والطبّة الثانية للعماد عون الذي يحرص المقرّبون منه على التأكيد بانه لا ينتمي الى «محور» 8 اذار بل هو «متفاهم» مع حزب الله على قضايا محددة مذكورة في ورقة التفاهم، ولا يستبعد ان يكون البطريرك الراعي مقتنعاً بهذه «التخريجة».
****
المسيحون المنقسمون بين 8 و14 آذار، واللامنتمون الى اي فريق، تعوّدوا جميعهم طول عقدين ونيّف من الزمن على خطاب واضح وصريح ومباشر يصدر عن البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، او عن مجلس الاساقفة الموارنة كل اربعاء من اول كل شهر، وكانوا يتعاطون مع هذا الخطاب اما سلباً او ايجاباً، وفق ميولهم السياسية، ولكنهم في المحصّلة كانوا يعرفون فوراً ماذا تريد بكركي وما هي مواقفها من هذا الاستحقاق او هذا الطرح، ولذلك فان اختلاط الفهم عليهم لمواقف البطريرك الراعي التي تحتاج دائماً الى تفسير وتوضيح، يضعهم في موقف المربك حول اي موقف يمكن الاعتداد به واعتباره الموقف النهائي للكنيسة المارونية التي تعتبر منذ القديم الكنيسة الامّ لجميع الكنائس الاخرى.
في مقال سابق قلت للبطريرك الراعي: احترنا يا سيدنا.. واليوم اقول له بكل محبة: احترت وحيرّتنا معك يا سيدنا.