“روسيا تخسر ويتقلص دورها ونفوذها في الساحة الدولية إذا أوقفت تعاونها مع أميركا والدول الغربية المؤثرة من أجل تسوية الأزمات الإقليمية المهمة أو إذا اتخذت إجراءات وخطوات إنتقامية تصعيدية متشددة في الساحتين السورية والإيرانية وفي ساحات أخرى رداً على العقوبات والإجراءات القاسية الأميركية والأوروبية المتخذة ضدها بعد انتهاكها القانون الدولي وضمّها شبه جزيرة القرم وتبنيها سياسة التهديد والتلويح بالخيار العسكري في التعامل مع أوكرانيا ومحاولة منع تقارب هذه الدولة مع الغرب وإبقائها ضمن منطقة النفوذ الروسي. فالقيادة الروسية ليست في موقع قوي لكي تدخل في مواجهة سياسية – ديبلوماسية واسعة مع أميركا والغرب إذ ان ضمها القرم جعلها تخسر أوكرانيا كلاً وتفقد مكاسب مهمة حققتها في السنوات الأخيرة في مجالات عدة من طريق تعاونها مع الدول الغربية وانضمامها الى مجموعة الدول الصناعية الثماني التي جمدت الآن عضويتها فيها”. هذا ما قاله لنا مسؤول أوروبي بارز وثيق الاطلاع على تطورات الأزمة الأوكرانية وعلى الاتصالات الجارية في شأنها وفي شأن الأوضاع في الشرق الأوسط بين باريس وواشنطن وعواصم أخرى معنية بالأمر.
وأوضح المسؤول أنه “بالنسبة الى سوريا الدولة الوحيدة الحليفة لها في الشرق الأوسط، تستطيع روسيا أن تصنع فيها الحرب وتغذيها، لكنها عاجزة وحدها عن صنع السلام، بل انها تحتاج الى التعاون مع أميركا ودول أخرى معادية للرئيس بشار الأسد من أجل إنقاذ هذا البلد. ولن تستطيع روسيا أن تفرض في سوريا الأمر الواقع الذي تريده كما فعلت في القرم لأن حليفها نظام الأسد ضعيف ومنهك ومعزول إقليمياً ودولياً والدعم العسكري والسياسي الروسي له لم يوفر له الحماية ولم يمنحه القدرة على الانتصار بل ان حربه ألحقت بالبلد الكوارث وجعلته عاجزاً عن فرض سيطرته عليه وإدارة شؤونه كما يريد. وإذا أرادت روسيا التخلي عن مواصلة دعمها لعملية تدمير الأسلحة الكيميائية في سوريا فإن أميركا مستعدة لاستخدام القوة العسكرية ضد نظام الأسد من أجل إرغامه على تنفيذ التزاماته وإزالة هذه الأسلحة في إشراف دولي. ولن تدخل روسيا في مواجهة عسكرية مع أميركا دفاعاً عن نظام الأسد”.
أما بالنسبة الى إيران، فركز المسؤول الأوروبي على الأمور الأساسية الآتية:
أولاً – لا مصلحة لروسيا في حصول إيران على السلاح النووي وفي انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وهي وافقت منذ العام 2006 على أن تكون عضواً في مجموعة الست التي تضمها الى جانب أميركا والصين وفرنسا وبريطانيا والمانيا وتتفاوض مع الإيرانيين من أجل إقناعهم بوقف نشاطاتهم النووية العسكرية، لأن امتلاك إيران السلاح النووي يشكل تهديداً لها ولمصالحها الحيوية ذلك أنها أقرب اليها من أي دولة كبرى أخرى.
ثانياً – تتفاوض القيادة الإيرانية مع مجموعة الست من أجل إلغاء العقوبات النفطية والاقتصادية والمالية الشديدة القسوة التي فرضتها أميركا والدول الأوروبية والدول الأخرى الحليفة لها عليها والتي أنهكت أوضاعها الداخلية باعتراف الرئيس الإيراني حسن روحاني نفسه، وليس من أجل رفع العقوبات الروسية المحدودة. وإذا أرادت روسيا عرقلة عمل مجموعة الست وتشجيع الإيرانيين على التشدد ورفض تقديم التنازلات المطلوبة، فإن المفاوضات ستفشل وتظل إيران خاضعة للعقوبات القاسية الغربية.
ثالثاً – إذا سعت إيران، في حال فشل المفاوضات، الى مواصلة العمل من أجل إنتاج السلاح النووي، فسوف تواجه حينذاك أحد إحتمالين: إما شن أميركا هجمات جوية – صاروخية على المنشآت النووية والحيوية الإيرانية تلحق بها أضراراً جسيمة، واما تولي إسرائيل شن هذه الهجمات مما يؤدي لاحقاً الى تدخل أميركا عسكرياً لمساندة الإسرائيليين، إذ ان القيادة الإيرانية سترد على هذه الهجمات إما مباشرة وإما من طريق “حزب الله” إنطلاقاً من الساحة اللبنانية.
رابعاً – إذا تراجعت روسيا عن التزاماتها المتخذة ضمن نطاق مجموعة الست، فإن عزلتها الدولية ستزداد وتتسع إذ ان الصين لن تساند موقفها وستتحمل حينذاك على نحو غير مباشر مسؤولية إنهيار العملية التفاوضية واستخدام الخيار العسكري ضد إيران. وليس لدى روسيا في هذا المجال سوى خيار حقيقي واحد يضمن مصالحها هو مواصلة التعاون مع أميركا والدول الأخرى المعنية من أجل منع إيران من التحول دولة مسلحة نووياً، من طريق المفاوضات وليس من طريق استخدام القوة العسكرية”.