#adsense

لبنان تنوّعٌ وليس انعزالاً

حجم الخط

 

الحديث عن مصلحة لبنان العامة لا يعني أننا نريد ان ننظر إلى المصلحة الآنية ونقدمها على المصالح المستقبلية. ليس اهتماماً بالغصن ونسياناً للشجرة، لكنّ تحديد المصالح المستقبلية للبنان لا يمكن أن يتحقق من دون النظر إلى البلد بوصفه وطناً متكامل الأجزاء.
فما يضير أهل الجنوب يضير أهل البقاع، وما يضير السنّة يضير المورانة. لكن العكس ليس صحيحاً دائماً، إذ قد تفيد سياسة ما أهل الجنوب وتضرّ بالبلد عموماً، وقد يفيد تحالف ما دروز جبل لبنان ويضرّ بمصالح لبنان العامة.

لهذا يفترض بشعار «لبنان أولاً» أن يولي هذه المفارقات اللبنانية عنايته الكبرى.

فكلّ مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي لا تلحظ مصالح أهل الجنوب الآنية والمستقبلية وتأخذها في اعتبارها هي مقاومة محكوم عليها بالفشل.

وكلّ علاقة مع سوريا لا تلحظ مصالح اهل الشمال والبقاع بوصفهم يقيمون على تخوم العلاقة مع سوريا، الذين يضيرهم تردّيها وينفعهم تحسنّها، هي علاقة محكومة أيضاً بالفشل.

لهذا لا يكون «لبنان أولاً» شعاراً ذا معنى ومبنى، إلّا حين يلحظ المفارقات اللبنانية كافة، فيقرر أهله: هذا النوع من العلاقة يناسبنا ولا يضرّ بجارنا الأقرب، وهذا النوع من المقاومة يناسبنا ولا يفيد عدوّنا الأول.

ولهذا لا يصح «لبنان اولاً» شعاراً إلا إذا اطلقته كتلة تمثّل المناطق والطوائف والاتجاهات خير تمثيل.

من يريد ان يحمل مثل هذا الشعار محكوم بالتنوّع ومحكوم بألّا يكون فئوياً ولا انعزالياً. ذلك انّ الانعزال يعني انّ ثمّة من ينظر إلى مصلحة منطقته وفئته من دون أن يأخذ مصالح الشركاء في اعتباره.

معنى «لبنان أولاً» لا يهدف إلى عزل لبنان عن أزمات محيطه. على العكس من ذلك، «لبنان أولاً» هو التزام حاسم بقضايا المنطقة وهمومها وتطلعاتها.

وربما يجب ان يتذكر البعض انّ النهضة العروبية قامت على اساس متين ولها رديف طارئ تاريخياً. الأساس انّ العالم العربي مدعوّ للانخراط في حداثة ما والتواصل مع حداثات غربية وشرقية رفضاً للعيش في الكهوف، ولتطلب الانعزال عن العالم والمحيط، بدعوى أن يدعنا العالم وشأننا، نتدبّره كيفما اتفق لنا.

أمّا الطارئ التاريخي فكان تأسيس الكيان الصهيوني المسمّى دولة إسرائيل على أرض فلسطين، ما أوجبَ على العرب جميعاً، واللبنانيين في مقدمهم، المساهمة في النضال من اجل إحقاق الحقوق الفلسطينية والعربية وتحرير الأرض من الاحتلال.

والحق انّ مَن يراقب تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لا بد وأن يلاحظ هذه المفارقة: في بداية الصراع كانت الدول العربية من الشام إلى اليمن دولاً حديثة ومتّصلة بالعالم خير اتصال وتجهد قادة ونخباً وشعوباً في محاولة تحسين مواقعها على خريطة العالم، وكانت الدولة الصهيونية عبارة عن مجموعة من العصابات المتفرقة التي لا يمكن مقارنة مبانيها الحقوقية والسياسية بمباني الدول الحديثة، كمثل ما كانت عليه الحال في مصر او سوريا او لبنان او الكويت والعراق.

لكنّ هذا الصراع أسفر عن دول معطوبة في كثير من دول العالم العربي ودولة شبه مستقرة في إسرائيل.

والأرجح انّ الدولة العبرية ربحت جولتها في هذا السياق اكثر من غيرها. لهذا لا يبدو الحديث عن بناء الدولة الحديثة المتصلة بالعالم، والتي تطمح لتثبيت سيادتها على أراضيها وشعوبها، سوى عنصر اساسي من عناصر القوة التي يجب على الدول العربية السعي لامتلاكها في مواجهة العدو الإسرائيلي.

ذلك انّ طموح بناء الدولة الحديثة ونشدان الاعتراف الدولي بحداثتها وتقدمها هو واحد من أهمّ وسائل المقاومة ضد المشروع الإسرائيلي وأحد اسباب القوّة التي يجب ان نحوزها لتعطيل وإفشال الأحلام الأمبراطورية الإسرائيلية في إقامة دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل.

السيطرة على جماعات متفرقة تعيش على رقعة من الأرض تظلّ أهون كثيراً من السيطرة على دولة حديثة تنشد البقاء في الجانب المُضاء من العالم وتحاذر أن تسقط في جانبه المظلم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل