ليس قليلاً أن تنجح حكومة المصلحة الوطنية في إيقاف مسلسل الاشتباكات في طرابلس. القضية ليست مجرد إطلاق نار بين منطقتين، وإنما جرح غائر، وتمزّق اجتماعي، وتحويل منطقة كاملة إلى دمار مادي ومعنوي؛ يسيطر الفقر والجهل والضياع عليها، حتى باتت منطقة باب التبانة على وجه التحديد؛ أكثر المناطق فقراً وبطالة في لبنان.
بلغة الأرقام؛ أدت الاشتباكات ما بين جبل محسن وجواره إلى مقتل نحو 220 شخصاً وجرح أكثر من 1500 آخرين، وإلى تأثر نحو مئة ألف طرابلسي بنحو مباشر أو غير مباشر، بعد 20 جولة من الاقتتال، الذي تتعتق من خلاله رائحة الموت، حتى لتكاد تسيطر على المكان ولو سكتت أصوات البنادق.
الجرح الغائر
سنوات مرت على مجازر العام 1986 في المدينة. لو كان النظام السوري هو الفاعل الوحيد، دونما تورط من جانب الحزب «العربي الديمقراطي» لما امتد الجرح، لكن استقواء من يدعي تمثيل العلويين بالنظام السوري كان وقعه كبيراً.
أسكن اتفاق الطائف النفوس فهدأت الحال، لكن اغتيال الرئيس الحريري، وتوالي الأحداث وصولاً إلى ما جرى في أيار 2008، أعاد إحياء التوتر، لأن الحزب «العربي الديمقراطي» أعاد لنفسه دور تخريب أمن طرابلس لصالح وريث النظام السوري؛ «حزب الله». ومنذ ذلك التاريخ بدأت جولات جديدة من القتال، لا يظهر فيها «حزب الله» في الصورة، إلا من باب تمنيه التهدئة، في حين يقوم من خلف الستار بمنح آل عيد (الحزب الديمقراطي) الغطاء السياسي والإعلامي الكامل، فضلاً عن التدريب والتسليح!
في الفترة من 11/5/2008 ولغاية 29/9/2008 وقعت جولات قتال عدة؛ راح ضحيتها نحو مئة طرابلسي بين قتيل وجريح. كان واضحاً أن الاقتتال تحوّل وسيلة ضغط سياسية لصالح الفريق الذي يحرك ويدعم آل عيد.
تحركت الفعاليات الطرابلسية، وأوكلت لمفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار مهمة مد اليد إلى جبل محسن، لئلا يصبحوا كلهم رهائن الأجواء التي يصنعها ويستفيد منها رفعت عيد ووالده، ولما تهيأت الأجواء؛ زار الرئيس سعد الحريري طرابلس وتمت المصالحة في منزل المفتي ورعايته، بحضور الامين العام للحزب «العربي الديمقراطي» علي عيد ونجله رفعت والنائب سمير الجسر وآخرين، على أساس؛ تثبيت السلم الأهلي، وتفويض الأمن إلى الجيش اللبناني، وإلغاء جميع المظاهر المسلحة في الشمال، وعودة النازحين إلى بيوتهم مع تعويضهم وتأمين منازل بديلة لمن لا يستطيع العودة، على أن يشمل ذلك منطقة جبل محسن وجوارها.
عود على بدء
مع اندلاع الثورة السورية؛ استعادت المنطقة أهميتها التوتيرية وكساحة ضغط وتوريد رسائل، حيث قُتل سبعة أشخاص وجُرح ستون آخرون في يوم الجمعة 17/6/2011، عندما اعتُدي بالنار على تظاهرة مؤيدة للثورة السورية في باب التبانة، لتُفتح بعدها سلسلة جولات من الاقتتال العبثي الذي دمر المنطقة، وأحال الحياة في طرابلس إلى جحيم.
والواقع أن الفترة الممتدة من أيلول 2009 ولغاية حزيران 2011 لم تكن فترة هدوء تام، لأن آل عيد فهموا من المصالحة أنها تتضمن مبايعة لهم في قيادة الطائفة العلوية، وتالياً تمثيلها، لذلك شهدت الفترة من العام 2009 ولغاية 2011 مواقف مجنونة كثيرة، واتهامات وجهها رفعت عيد في كل اتجاه، بما يعبر عن ضيقه، وبما أعلن عنه صراحة في وقت لاحق: «الحق بتمثيل العلويين».
وكما كان سقف آل عيد المرتفع مغطى سياسياً؛ كان توتيرهم الأمني يحظى بالغطاء نفسه؛ ما شجع على توالي الجولات القتالية، كلما دعت الحاجة الإقليمية، أو ساءت حالة رفعت عيد النفسية، فوقعت 12 جولة اقتتال (من الجولة التاسعة ولغاية الجولة العشرين).
– الجولة العاشرة: 22-23 حزيران 2011، وقد خلّفت 9 قتلى و55 جريحاً.
– الجولة الحادية عشرة: 25/7- 29/9/2011 وهي أطول الجولات على الإطلاق، وقد خلّفت 23 قتيلاً وعشرات الجرحى، وانتهت باتفاق مصالحة جديد.
– الجولة الثانية عشرة: 10-12/2/2012، وقد خلّفت 3 قتلى و10 جرحى.
– الجولة الثالثة عشرة: 12-18/5/ 2012، وقد خلّفت 23 قتيلاً وأكثر من 100 جريح.
– الجولة الرابعة عشرة: 21/5 وقد أعقبت الجولة السابقة مباشرة وخلفت قتيلين و6 جرحى.
– الجولة الخامسة عشرة: 22/3/2013 وقد خلّفت 6 قتلى و20 جريحاً.
– الجولة السادسة عشرة: 6/6/2013 وقد خلّفت 30قتلاً و6 جرحى.
– الجولة السابعة عشرة: 30/10/2013 وقد راح ضحيتها 12قتيلاً و55 جريحاً.
– الجولة الثامنة عشرة: 6 1/12/2013 وقد سقط فيها 6 قتلى و20 جريحاً.
– الجولة التاسعة عشرة: 19/1/2014 وقد ذهب ضحيتها 7 قتلى و40 جريحاً.
– الجولة العشرون: 7/4/2014 ويفترض أنها الجولة الأخيرة إذا نجحت الخطة الأمنية بالكامل، وقد راح ضحية هذه الجولة 27 قتيلاً وأكثر من 170 جريحاً.
فرصة مقتنصة!
بعد عشرين جولة من الاقتتال العبثي؛ لاحت فرصة لوقف النزيف. تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام كانت الإشارة الأوضح لإمكانية تسكين الجرح الشمالي المزمن. وعلى القاعدة نفسها التي أتت بموجبها الحكومة؛ تم الاتفاق على خطة أمنية لطرابلس تنتهي بموجبها جولات الاقتتال العبثي. ولا يخفى في هذا الإطار أولوية محاصرة من يسميهم «حزب الله» بـ «التكفيريين»، كعامل حاسم لتسهيله تشكيل الحكومة، وتالياً تسهيل تطبيق الخطة الأمنية، عندما طرح وزير الداخلية تطبيقها، مدعوماً من وزراء تيار «المستقبل» في الحكومة.
ومع أنه لا يمكن مقارنة المدافعين عن المنطقة من أبنائها برفعت عيد ووالده؛ المتهميْن بتفجير مسجدَي «السلام» و«التقوى»، إلا أنه لم يكن بالإمكان -على ما يبدو- بأن تصدر مذكرات التوقيف بحقهما، وبحق شاكر البرجاوي وآخرين من حلفاء الحزب إلا بصدور مذكرات توقيف موازية بحق من يسمى «قادة المحاور»، علماً أن التأخير المقصود بتنفيذ الخطة، وتسريب أسماء المطلوبين، كان بمثابة إشعار لهروب أو تهريب آل عيد وبقية حلفاء الحزب بغطاء من «حزب الله» كما أعلن وزير الداخلية نفسه- كما سمح هذا الواقع بتواري أو فرار أمراء المجموعات المسلحة في طرابلس، وفي الأحوال كلها، ورغم -كاريكاتورية- هذا المشهد، فقد جنّب هذا الواقع المنطقة مزيداً من المواجهات أو احتمال تحوّل الاقتتال باتجاه الجيش والقوى الأمنية .
بنتيجة ذلك؛ تحققت المكاسب الآتية:
1- وقف استنزاف طرابلس بجولات عنف متتالية، وبدء مخاض المصالحة الأهلية بين العلويين والسنة، وإطلاق ورشة إعمار وتطوير للمنطقة.
2- تحقيق خرق لمصلحة سيادة الدولة وتمكين الجيش والقوى الأمنية، ليس في طرابلس فقط، وإنما في البقاع الشمالي أيضاً.
3- التخلص من فوضى السلاح في طرابلس؛ إذ الحقيقة التي لا يعرفها كثيرون أن المجموعات المسلحة في طرابلس ليست من لون واحد، وأن لـ«حزب الله» نفسه مجموعات منها، فضلاً عن الرئيس ميقاتي (أهم المجموعات)، وقوى أخرى، وأن أجهزة أمنية تخترق عدداً من هذه المجموعات.
4- تحقيق العدالة ولو بأدنى درجاتها- من خلال تحوّل علي عيد ورفعت- من كونه شخصية سياسية، وصلت إلى حد تحدي القضاء و«رب القضاء» – إلى مطلوب فار من وجه العدالة وعدد كبير من جماعته-، وتالياً التمكن من دخول منزله ومنزل والده – وهو أمر لم يكن ممكناً تحقيقه من قبل.
5- إزالة لافتة الإرهاب التي تحاول قوى عديدة تعليقها على صدر طرابلس زوراً.
القوى المعاكسة
وكما في كل عملية استشفائية؛ لا بد من آلام ونزيف وثمن، ولا سيما أن الخطة الأمنية قضت بتوقيف أشخاص يعتبرهم أهلهم أبطالاً دافعوا عن مناطقهم، ومضافاً إلى ذلك بعض الأخطاء أو الخشونة في المداهمات، لكن هذه السلبيات لا تقارن بالمنافع التي ستعود على البلد ولأهل المناطق المعنية- جراء تنفيذ الخطة… غير أن ما يدعو إلى العجب أن قوى طرابلسية تعمل لإفشال هذه المصالحة، أو عدم تسهيلها على أقل تقدير، وفلتات مواقف الرئيس ميقاتي تشي بما يجري على الأرض، فهو تارة ينسب لنفسه الفضل في اجتراح الخطة الأمنية أيام حكومته- وتارة يبكي على مصير «قادة المحاور»، وتارة يعتبر أن نجاح الخطة دليل على إفشالها المتعمد في السابق!
وبعيداً عن التحريض الذي يجري على الأرض، أو أصوات بعض الإسلاميين التي تنطلق من وقائع صحيحة ومحقة لكنها لا تبرر إعاقة الخطة الأمنية (عجز الدولة أمام مسلحي «حزب الله» الذين يتسلحون ويتنقلون عبر الحدود، مقابل اعتقال أي مسلح آخر)؛ فإن الدعايات الأكثر رواجاً في مواجهة جهود ختم الجرح الطرابلسي على الشكل الآتي:
أولاً: انتقاد هروب أو تهريب عدد من المطلوبين، وهي نقطة سوداء في سجل «حزب الله»؛ المتهم الأول بتهريب آل عيد المطلوبين بجريمة إرهابية، كما كشف وزير الداخلية.
ثانياً: تخلي «تيار المستقبل عن أهله»؛ في إشارة إلى أهل باب التبانة وجوارها، الذين دافعوا عن مناطقهم بوجه جماعة آل عيد (علماً أن هذا الموضوع قيد المعالجة في إطار القانون)، لكأن من يقول هذا الكلام يريد أن يُبقي جرح طرابلس نازفاً، مفترضاً أن تيار «المستقبل» هو من سلّح وغطى المجموعات المقاتلة، في حين أن «الأرض» تقول إن أكثر المجموعات نفوذاً (مجموعة سعد المصري مثلاً) محسوبة على الرئيس ميقاتي، ويتقاضى أميرها مخصصاً شهرياً من الأخير عبر مدير مكتبه رامي الرفاعي (سئل عنه ميقاتي في 12/12 من العام الماضي في مقابلة إعلامية فقال هو محسوب عليّ)، إضافة إلى مجموعة حسام صباغ (برز اسمه في الاشتباك الذي حصل مع مرافقي الوزير فيصل كرامي عن طريق الخطأ، في كانون الثاني من العام الماضي)، وآخرين.
ثالثاً: ان نجاح الخطة حيث فشلت سواها يعود إلى عودة «المستقبل» إلى الحكومة؛ حيث يريد من يقول هذا الكلام الإيحاء أن تيار «المستقبل» هو من كان يفشل المصالحة نكاية بالرئيس ميقاتي، في حين تقول الوقائع؛ إن تيار «المستقبل» كان أكبر المتضررين من جولات الاقتتال، بدليل أن الاشتباكات اندلعت في وجهه عام 2008، وأن الرئيس الحريري ذهب بنفسه إلى دارة المفتي الشعار لاستيعاب آل عيد، وأن أكثر قادة المحاور يشتمون الحريري.
في أي حال؛ فإن المخاض الذي تمر به طرابلس اليوم ومنه ما حصل ليلة العاشر من الشهر الجاري، بمناسبة بث حلقة تلفزيونية من شارع سوريا على قناة «المستقبل»-، أو بعض الأخطاء خلال تنفيذ الخطة، ينبغي أن يدفع للمضي قدماً فيها، لأن العيون يجب أن تبقى شاخصة تجاه المنافع الكبرى التي ستتحقق إذا تعافت المنطقة من واقع جولات الاقتتال المتتالية، ما سيعود على طرابلس ولبنان بخير كبير، لا ينبغي أن تقف بوجهه حسرة عجز حكومة سابقة؛ عدد كبير من وزرائها من طرابلس، عن النجاح في الخطة، لأن المنطق يقول إن حكومة «عرجاء» لا يمكن أن تسير على نحو سوي، بما يمكّنها من ختم جرح بهذا الحجم، فضلاً عن أن اللحظة التي أتت بها حكومة ميقاتي مختلفة عن اللحظة التي جاءت بموجبها حكومة الرئيس سلام… ويبقى لطرابلس ألف سلام.