تعتمد معظم الشعوب على المؤرخين وكتب التاريخ، لتحافظ على تاريخها وتاريخ شعبها، ودراسة الحوادث التي مرّت عليهم، للإتعاظ وأخذ العبر منها، لعدم اقتراف الأخطاء ذاتها التي كانت تؤدي بها الى الكوارث والويلات والحروب.
أما مجموعة الشعوب اللبنانية، فلكل منها تاريخه الخاص الذي يسلسل الحوادث حسب وجهة نظره بما يتناسب مع تطلعاته وحاجاته القومية والإستراتيجية.
بعد سيطرة السوريين الكاملة على الدولة اللبنانية أوائل التسعينات، حوّروا الحوادث اللبنانية بطريقة ترضي أتباعهم وتُشيطن أخصامهم، وعلى هذا الأساس صُنف اللبنانيون بين عميل، وصديق مُتعامل، ورافق ذلك أكبر عملية تزوير للتاريخ اللبناني، أقله، منذ بداية الحرب.
حتى اليوم ما زال بعضهم يتكلم عن الحرب اللبنانية وأسبابها ومسببيها بطريقة مغلوطة جداً وبعيدة عن الواقع والحقيقة، وقسم من هذا البعض يتصرف من منطلق أنه المُنتصر في تلك الحرب ويتصرف على هواه، مُستبيحاً حتى الدولة بكل تكاوينها.
لعل هذا البعض الذي صدّق كذبة أسياده، تناسى أو نسي فعلاً، بفعل القوة المفرطة التي تعمي عيون أصحابها، الأسباب الحقيقية لتلك الحرب، ولذلك هو يتصرف بهذه الطريقة الفوقية والمتعجرفة مع العديد من المكونات الوطنية الأخرى.
لذلك، وإنعاشاً لذاكرة كل من يهمه الأمر، الحرب اللبنانية التي وُصفت بحرب الآخرين على أرض لبنان وانتهت بصراع لبناني طائفي، بدأت عندما دخلت منظمة التحرير الفلسطينية لبنان بكامل سلاحها بدعم من معظم الدول الأجنبية والعربية والإسلامية ونصف الشعب اللبناني، وعندما بدأت بقضم المناطق والمؤسسات للسيطرة الكاملة عليها كوطن بديل موقت وطريق للمرور الى فلسطين، وبالرغم من كل الدعم المالي والسياسي والعسكري، وبالرغم من دخول الجيش السوري كطرف داعم لها من خلال لواء اليرموك ومن ثم كمحتل، وقفت قلّة قليلة من الأبطال وواجهت كل تلك القوى مجتمعة.
واجهوها في معارك مصيرية بطولية تشبه الملاحم الأسطورية، واستطاعوا بفعل قوة إيمانهم وعزمهم وثباتهم، على أنشاء منطقة حرّة امتدت من المدفون الى كفرشيما، أُطلق عليها لقب سويسرا الشرق، وظلّت عصية على السوري وعملائه حتى نهاية الحرب اللبنانية سنة 1990، عندما استعملوا أحد عملائهم في الداخل كحصان طروادة لإحكام قبضتهم عليها.
ما يهمنا من كل هذا، أنه مهما علا شأن فريق من اللبنانيين وحظي بدعم خارجي في كافة المجالات، لن يصل الى ولو نسبة قليلة جداً من ما كانت عليه منظمة التحرير. كما أن الوضع المصيري الذي دفع بالبعض للمواجهة ببنادق الصيد وتحت الثلوج والعواصف ومن 7دون أي دعم من أحد دفاعا عن لبنان، قد تغير اليوم جذرياً، فبﻻد اﻻرز لم ولن تكون وطن بديﻻ ﻻحد أو فريسة سهلة لمن مشاريعه غير الوطنية عابرة للحدود.
لذا ابعاد هذا الكأس عن الوطن، دفع قوى 14 آذار لإعطاء الكثير من التنازلات. وبما أننا فعلاً ام الصبي، وبالرغم من أننا نشعر يوماً بعد يوم بجدية هذا المُخَطَط الجهنمي، سنعمل كل ما بوسعنا لتفادي حرب جديدة في لبنان، لا يدري أحد كيف ستنتهي وكم ستكون كلفتها. ونعلم جيداً أنها سترجعنا عشرات السنين الى الوراء، وستزرع الويلات والمصائب قي كل القرى والمدن، وستدمي وتدمع عيون الآلاف من اللبنانيين، لكن إن فُرضت علينا غصباً عنّا، فأهلاً وسهلاً بها، وليعلم مَن ستسول له نفسه إطلاق شرارتها، أننا سنواجهه بكل ما أوتينا من قوة وعزم وصلابة وإيمان.
مَن تاريخه مئات السنين من مقاومة الغزاة والطغاة، ومَن قاتل وحده جيوشاً مُدعّمة بجحافل مرتزقة من عشرات الدول الأجنبية، لن يتردد اليوم، ومعه كافة اللبنانيين الشرفاء، بالوقوف في وجه حفنة من المرتزقة التابعة لأنظمة بائدة وفانية دفاعا عن لبنان الوطن وانقاذا للدولة ومؤسساتها…